الصفحة 114 من 371

مرة خرج إلى السوق في جولة تفتيشية, فيرى إبلًا سمينة تمتاز عن بقية الإبل بنموّها وامتلائها، يسأل عمر بن الخطاب:"إبل من هذه؟ فقالوا: هي إبل عبد الله بن عمر، وانتفض أمير المؤمنين، وكأن القيامة قد قامت، وقال: عبد الله بن عمر, بخٍ بخٍ يا ابن أمير المؤمنين" (أي الله يعينك) وأرسل في طلبه فورًا، وأقبل عبد الله يسعى، وحين وقف بين يدي والده, أخذ عمر يفتل سبلة شاربه، وتلك عادته إذا أهمَّه أمرٌ خطير، فأحيانًا الإنسان يحكُّ رأسه، أو يحرِّك ثيابه، كل إنسان له طريقة, فقال:"ما هذه الإبل يا عبد الله؟ فأجاب: إنها إبل أمضاء (يعني هزيلة) اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى الحمى (أي إلى المرعى) أُتاجر فيها، وأبتغي ما يبتغي المسلمون، فقال عمر متهكمًا تهكُمًا لاذعًا, ويقول الناس حين يرونها: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، وتسمن إبل ابن أمير المؤمنين، فبع هذه الإبل، وخذ رأس مالك منها، واجعل الربح في بيت مال المسلمين"هذا إدراك نادر, أن هذا ابن أمير المؤمنين، فلعل الناس أعطوه فوق ما يستحق، ولعلهم أكرموه، أرأيتم هذه النزاهة.

مرة وصل إلى المدينة مال كثير من أموال الأقاليم، فتذهب إليه ابنته حفصة رضي الله عنها لتأخذ نصيبها، وتقول له مداعبة:"يا أمير المؤمنين حقّ أقاربك في هذا المال، فقد أوصى الله بالأقربين"فيجيبها جادًا:"يا بنيتي حقّ أقربائي في مالي، أما هذا فمال المسلمين، قومي إلى بيتك"أي اذهبي, طبعًا من علمه ذلك؟ إنّه النبي عليه الصلاة والسلام، حينما قال لأحب الناس إليه فاطمة البتول:"لا يا فاطمة إن في المسلمين من هم أحوج منك لهذا المال، والله لا أؤثرك على فقراء المسلمين".

(ورد في الأثر)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت