الصفحة 111 من 371

ذات مرة جاءته هدية من أذربيجان، وهي طعام نفيس، دخل هذا الرسول المدينة في منتصف الليل فكره أن يوقظ أمير المؤمنين، فتوجَّه إلى المسجد النبوي الشريف، في المسجد سمع صوت رجل يصلي ويبكي ويناجي ربه، ومما سمع من كلام هذا الرجل:"ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أم رددتها فأعزيَها؟"فقال هذا الرسول:"من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عمر, قال: يا سبحان الله ألا تنام الليل؟ فيجيبه هذا الخليفة العظيم: أنا إن نمت ليلي كلَّه أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيَّتي"وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:"إن لله أعمالًا لا يقبلها بالليل"

أي في النهار لا تقبل أعمال الليل، وفي الليل لا تقبل أعمال النهار، أرأيتم إلى هذا التوازن؟ التوازن بين عملين، بين الإحسان للخلق، والاتصال بالحق، وأكثر الناس يختل عندهم هذا الميزان، فإما أن ينكبّوا على الأعمال الصالحة, وينسون عباداتهم وأذكارهم واتصالهم بربهم، وإما أن ينكبوا على عباداتهم, ولا يفعلون شيئًا من الأعمال الصالحة، لذلك هذا التوازن, رهبان في الليل فرسان في النهار.

فلما أذَّن الفجر صلّى أمير المؤمنين بالناس, ودعا ضيفه إلى البيت, وقال لامرأته حفصة:"ماذا عندك من الطعام؟ قالت: ملح وخبز"كان فقراء المسلمين يأكلون اللحم، أما سيدنا عمر فكان طعامه الخبز والملح، بعد أن أطعم ضيفه, وقد ندم الضيف أشدّ الندم على أنه اختار طعام الأمير، قال:"ما هذا؟ , قال: حلوى يصنعها أهل أذربيجان, وقد أرسلني بها إليك عُتبة بن فرقد"وكان واليًا على أذربيجان،"فذاقها عمر فوجد لها مذاقًا شهيًا، فسأل الرسول: أوكل المسلمين هناك يطعمون هذا؟ قال الرجل: لا, وإنما هو طعام الخاصة, فأعاد عمر إغلاق الوعاء جيدًا, وقال للرجل: أين بعيرك؟ خذ حملك هذا وارجع به لعتبة، وقل له: عمر يقول لك: اتق الله واشبع مما يشبع منه المسلمون".

شدته على أهل بيته:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت