الصفحة 104 من 371

كان سيدنا عمر على فِراش الموت, وكان في حيرة شديدة لمن يسلِّم له هذه الأمانة، أي الخلافة، فقال له المغيرة بن شُعبة:"أنا أدلُّك عليه يا أمير المؤمنين، قال: من هو؟ , قال: عبد الله بن عُمر، فقال عمر: لا أرب لنا في أموركم، إني ما حملتها (أي الخلافة) فأرغب فيها لأحدٍ من أهل بيتي، إن كانت خيرًا فقد أصبنا منها، وإن كانت شرًا فبحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد، ويسأل عن أمر أمة محمد عليه الصلاة والسلام، ألا إني قد جَهِدت نفسي، وحرمت أهلي، وإن نجوت كفافًا، لا وزر ولا أجر، فإني لسعيد"فسيدنا عمر رفض أن تكون الولاية من بعده لعبد الله بن عُمر، وهو ابنه.

مرة قال لعبد الرحمن بن عوف:"يا عبد الرحمن لقد لِنتُ للناس، حتى خشيت الله في اللين، ثم اشتددت، حتى خشيت الله في الشدة، وايم الله لأنا أشد منهم فرقًا وخوفًا، فأين المخرج؟"أي أنا خائف أكثر منهم، خائف أنْ أحاسَب على الشدة، وخائف أنْ أحاسَب على اللين، ثم يبكي، فيقول عبد الرحمن بن عوف, وهو يتملَّى هذا المشهد مليًا:"أف لهم من بعدك"أي أعان الله من بعدك، لقد أتعب من سيجيء من بعده.

شدته في الإمارة على ولاته:

ذات مرة كان جالسًا مع أصحابه، فاقتحم المجلس رجل مكروب، تغشاه وعثاء السفر، وحين اقترب من الناس، رآهم وسمعهم يقولون لأحدهم:"يا أمير المؤمنين"فيتّجه صوبَ هذا الأمير، ويقول له في مرارة:"أَأنت عمر؟ ويل لك مِن الله يا عمر, ثم يمضي لسبيله غير وان، ولا مكترث، لحق به الحاضرون في غيظ وحنق، ولكن عمر يناديهم ويأمرهم أن يعودوا لمجلسهم، ويهرول هو وراءه وقلبه يرتجف."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت