مرة سيدنا عمر رأى لحمًا معلَّقًا بيدي جابر بن عبد الله، قال له:"ما هذا يا جابر؟ قال:"هو لحم اشتهيته فاشتريته، فقال: أو كلما اشتهيت اشتريت, أما تخاف أن يقال لك يوم القيامة:
{أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا}
(سورة الأحقاف الآية: 20)
مرة زاره حفص بن أبي العاص, وكان سيدنا عمر جالسًا إلى طعامه، فقال له:"تفضل ولكن حفصًا نظر فرأى قديدًا يابسًا يأكل منه عمر، فلم يشأ يجشّم معدته مشقَّة هضمه، فاعتذر شاكرًا، فأدرك سيدنا عمر سر عزوفه عن الطعام، فقال له: ما يمنعك من طعامنا؟ فقال له: والله إنه طعامٌ خشن، وإني راجع إلى بيتي فأصيب طعامًا لينًا قد صُنع لي، قال ردًّا عليه: أتراني عاجزًا أن آمر بصغار الماعز فيلقى عنها شعرها، وآمر برقاق البر فيخبز خبزًا رقاقًا، وآمر بصاعٍ من زبيبٍ فيلقى في سَمن، حتى إذا صار مثل عين الحجل صُبَّ عليه الماء فيصبح كأنَّه دم غزال فآكل هذا وأشرب هذا"نحن لا نعرف هذه الأكلة، ولكنها تبدو معروفة في عهد سيدنا عمر، فقال له حفص وهو يضحك:"إنَّك بطيِّب الطعام لخبير، فقال عمر: والذي نفسي بيده لولا أن تنقص حسناتي لشاركتكم في لين عيشكم، ولو شئت لكنت أطيبكم طعامًا، وأرفهكم عيشًا، نحن أعلم بطيب الطعام من كثير من آكليه، ولكننا ندعه ليومٍ تذهل فيه كل مرضعةٍ عما أرضعت، وتضع كل ذات حملٍ حملها، وإني لأستبقي طيباتي، لأني سمعت الله تعالى يقول عن أقوام:"
{أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}
(سورة الأحقاف الآية: 20)
عندما توفى النبي عليه الصلاة والسلام، قال له سيدنا الصديق:"يا عمر هات يدك نبايع لك"لكن عمر تخلّص منها ناجيًا, إذْ قال:"بل إيَّاك نُبايع فأنت أفضل مني, قال أبو بكر: وأنت أقوى مني يا عمر، قال عمر: إن قوتي لك مع فضلك"أرأيتم كيف يعرفون أقدار بعضهم البعض؟ فليست بينهم عداوة ثأر.