قال ربنا: { وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ - بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } [ص:1-2] ، ثم قال الله: { كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ } [ص:3] ، يخبر الله جل وعلا أن أمما عدة لا يمكن حصرها ، لا يحصرها إلا خالقها كفرت بالله من قبل ، ومع ذلك أهلكها وأبادها ، كما قال ربنا تبارك وتعالى: { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ } [هود:100] أي منها قائم ظاهر يراه الناس كالحجر ديار ثمود ، ومنها حصيد أي لم يبق لها أثر وليس لها وسم أو أمر أو علامة تدل عليها أُبيدت بالكلية ، فقال ربنا جل وعلا هنا: { كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ } [ص:3] ، والصناعة النحوية ضرورة في علم التفسير ؛ فكم هنا خبرية وليست استفهامية ، والفرق الجوهري بينهما أن كم الخبرية لا تحتاج إلى جواب إنما يراد بها الإخبار عن الكثرة ، قال الفرزدق:
كم عَمَّتٍ لك يا جرير وخالةٍ فَدْعَاءَ قد حلبت علي عِشَارِي
فهو لا يريد جوابا إنما يعير جريرا بكثرة من يخدمه - يخدم الفرزدق - من خالات جرير وعماته .
فهنا قول الله جل وعلا: { كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ } [ص:3] ليس المراد منه أن يُجاب ويُعد تلك القرون ، لكن الإخبار عن الكثرة وهذا أوقع في النفس ، فالخلاف الجوهري ما بين كم الخبرية وكم الاستفهامية ؛ أن كم الاستفهامية تحتاج إلى جواب ، وكم الخبرية لا تحتاج إلى جواب ، ويتفقان في أن كلا منهما يصدر به الكلام ، ومبني غير معرب .