قال ربنا: { كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا } [ص:3] من الذي نادى ؟ من أُهلكوا ، متى نادوا ؟ نادوا حين حلول العذاب قال ربنا: { فَنَادَوْا } ، لكن قال الله بعدها: { وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ } [ص:3] لات هذه أصلها لا ،"لا"تعمل عمل ليس ، يقصد بها النفي وتعمل عمل ليس ، والتاء فيها ليست للتأنيث وإنما زائدة ، وهي تدخل في نفي الأزمنة ، فقول الله جل وعلا: { وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ } [ص:3] اسم لات محذوف والتقدير: ولات الحين حين مناص ، أي: ليس الوقت وقت هروب ولا نجاة ولا منجى ؛ لأنهم لا ينادون ولا يستغيثون إلا إذا حل بهم العذاب ، وقد مضت سنة الله جل وعلا في خلقه أن العذاب إذا حل لا يقبل حينها توبة تائب ، إنما كان من استثناء الله لقوم يونس قال الله جل وعلا: { فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } [يونس:98] ، أما غيرهم قال الله جل وعلا عنهم: { فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ } [غافر:85] أخبر الله جل وعلا عن إيمانهم قال: { فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ } [غافر:85] أي: مضت سننه جل وعلا في خلقه أن العذاب إذا حل ونزل لا ينفع ، فهنا قال الله: { كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ } [ص:3] .
ثم ذكر الله جل وعلا حال كفار قريش - والسورة مكية - قال الله جل وعلا: { وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ } [ص:4] ثم جعلوا كِذْبه بقولهم: { أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } [ص:5] .