و صفة تحنث النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أنه كان ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يتخنث ولم يكن يعلم أنه نبي فكان يأتي إلى زوجته خديجة يأخذ ويتزود منها الطعام فيمكث بذلك الزاد ما شاء له أن يمكث ثم يعود فيمضى في الشعاب والأودية ويسلم عليه الحجر والشجر وهذا كله تمهيد لأمر عظيم ورسالة جليلة سيكلف بها ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: { إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا } ، ثم بعد ذلك كان لا يرى الرؤيا إلا وتقع صادقة كفلق الصبح والرؤيا جزء من النبوة ولهذا قال ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: ( إن في الرؤيا الصالحة أو الصادقة جزء من كذا وأربعين جزء من النبوة( ، فمازال الأمر يتدرج بالنبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في رعاية الله له حتى جاءه الملك وهو في غار حراء ، فالله ـ - عز وجل - ـ نقل النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ إلى الأمر الحسي العالي قبل أن يعطيه الأمر المعنوي ، فلم يكن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ يتخنث في زاوية أو في غرفة أو في داخل بيته أو وسط أودية قريش أو في شعاب مكة وإنما قدر له ـ برحمة الله ـ أن يتخنث في مكان عال وثمة أمور معنوية عظيمة تنجم من هذا:-
القرب المعنوي من السماء والحسي والله رتب العلو قال: { وإلى السماء كيف رفعت } ، ثم قال: { وإلى الجبال كيف نصبت } ، ثم قال: { إلى الأرض كيف سطحت } فكان ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قريب من السماء حسيا تمهيدا للقرب المعنوي ، ثم أنه كان من علياء ذلك الجبل كان يرى مكة وكأنه يرى حقارة الدنيا بأنه سيأتي عليه يوم يخيِّر ما بين الدنيا والآخرة فيختار الآخرة والله ـ - عز وجل - ـ رأفة بهذا النبي الكريم بل من اصطفاهم الله يظهر لهم الملكوت ، يكشف لهم الأسرار يبين لهم الحقائق حتى إذا طولبوا بأمر ما كانوا على بينه فيما يقولون وفيما يفعلون قال تعالى في حق الخليل إبراهيم: { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } .