والعنف أسلوب مرفوض في الأديان والقيم الإنسانية والحضارية، لأنه يحول القوة الفكرية والمادية والمعنوية والروحية من طاقة ضرورية للإنسان لبناء ذاته ومجتمعه وحضارته إلى طاقة تدميرية وقوة سلبية.
ومنهج الإسلام يقوم على الرفق واللين، لا على العنف والشدة والغلظة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه" [1] . والقرآن الكريم يرسم لنا هذا المنهج بقوله تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [2] . والدعوة بالحكمة تعني: الخطاب الذي يقنع العقول بالحجة والبرهان. والموعظة الحسنة تعني: الخطاب الذي يستميل العواطف ويؤثر في القلوب. والجدال بالتي هي أحسن يعني: الحوار مع المخالفين بأحسن الطرق وأرق الأساليب التي تقربهم ولا تبعدهم.
ويزداد هذا المنهج وضوحًا في وصف الله تعالى لعباده المؤمنين: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) [3] . وقال تعالى عنهم: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ) [4] .
كما يزداد الوضوح في تصوير القرآن الكريم لقصص أنبياء الله في دعوة قومهم، فانظر -مثلًا- إلى قصة نبي الله موسى عليه السلام مع الطاغية فرعون الذي ادعى الربوبية والألوهية: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) [5] . (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [6] ، حيث أمره الله -سبحانه وتعالى- هو وأخاه هارون بتليين القول: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [7] .
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق، رقم 2594 ترقيم عبد الباقي.
(2) النحل: الآية 125.
(3) الفرقان: الآية 63.
(4) القصص: الآية 55.
(5) النازعات: الآية 24.
(6) القصص: الآية 38.
(7) طه: الآية 43 - 44.