الصفحة 35 من 90

قال ابن حجر: والمراد بالموبقة هنا الكبيرة [1] .

وقال الإمام مالك:"الساحر الذي يعمل السحر ولم يعمل ذلك له غيره هو مثل الذي قال الله تبارك وتعالى في كتابه (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ) فأرى أن يُقتل ذلك إذا عمل ذلك هو نفسُهُ" [2] .

وحكى ابن حجر عن النووي أنه قال:"عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات، ومنه: ما يكون كفرًا، ومنه: ما لا يكون كفرًا، بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر، وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام .. وعن مالك: الساحر كافر، يقتل بالسحر، ولا يستتاب بل يتحتم فعله كالزنديق، قال عياض: وبقول مالك قال أحمد وجماعة من الصحابة والتابعين" [3] .

وقد أفتى بعض الفقهاء بجواز قتل الساحر المُضِرّ، لأنه يفتن الناس في دينهم، ويضرهم في عقولهم وأبدانهم، فيُتحمل الضرر الأخص لدفع الضرر الأعم [4] . وهذه قاعدة مهمة من قواعد الشرع، استخرجها الفقهاء من النصوص التشريعية المتكاثرة من الكتاب والسنة، وهي تجرى في كل مسألة تتراوح بين ضررين خاص وعام، وقد وردت في"تيسير التحرير"بالصيغة التالية:"دفع الضرر العام واجب بإثبات الضرر الخاص" [5] . وهذه القاعدة مقيَّدة لقولهم:"الضرر لا يُزال بمثله أو أكبر منه"، لأنه لو أزيل الضرر بضرر مثله أو أكبر منه لما صدق هذا على القاعدة الفقهية"الضرر يزال" [6] . وينبني على هذه القاعدة كثير من الأحكام الفقهية.

ومما هو جدير بالتنبيه هنا: أن هناك قنوات فضائية تعلم الناس السحر، وهناك دورات لتعليم السحر ولكن تحت مسميات مختلفة كـ"طاقة العين"،

(1) ابن حجر: فتح الباري، كتاب الطب، باب السحر.

(2) مالك بن أنس (ت 179 هـ) : الموطأ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر، 2/ 871.

(3) ابن حجر: فتح الباري، كتاب الطب، 10/ 275. وفي المسألة اختلاف كبير وتفاصيل ليس هذا موضع بسطها.

(4) الأتاسي، محمد طاهر، محمد خالد: شرح المجلة، مطبعة حمص، ط 1، 1349 هـ/1930 م، 1/ 67. والحسيني، محمد أمين المعروف بأمير بادشاه: تيسير التحرير شرح كتاب التحرير في أصول الفقه، الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية لابن الهمام، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط 1، 1350 هـ 2/ 301.

(5) الحسيني، محمد أمين المعروف بأمير بادشاه: تيسير التحرير، مرجع سابق، 2/ 301.

(6) ولذلك لا يجوز للمضطر أن يأكل طعام مضطر آخر، ولا قتل ولده ولا عبده، ولا قطع فلذة من نفسه إن كان الخوف من القطع، كالخوف من ترك الأكل أو أكثر (السيوطي، جلال الدين: الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، دار الكتب العلمية بيروت، ط 1، 1403 هـ/1983 م، ص 86) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت