على العلماء أن يهجروا الأماكن التي يريد أحد من الناس -الغني .. السلطان .. الأمير .. الشيخ شيخ القبيلة- حين يريد أن يسيطر عليه ليكون هو مجرد تابع .. مجرد سن في داخل دولابه يستخدمه كما يريد.
وللأسف: الناس استمرأوا صورة السلطان والعالم في داخله!! لا، لا، هذه الصورة غير موجودة في التاريخ الإسلامي .. هذه صورة فرضها الطغاة وأخذها المسلمون منهم. ومن هنا: فهذه"ثنائية الحكيم وثنائية العالم"هذه ثنائية غير موجودة؛ يعني: أحد يظن"أنا قائد .. أنا قائد وأنا إداري، فأنا لي الإمارة، الشيخ مجرد شيخ فليس له .."في الحقيقة: هذه ثنائيةٌ خطأ، لأننا في واقع الأمر أن هؤلاء القادة أنهم حين درسوا كانوا جهلة!! يعني .. يقولون: الشيخ درس شريعة لأنه جاهل!! أو لم يأتي بالعلامات المهمة الكثيرة!! كذلك أنت -قائد الجماعة- لو رجعنا إلى حساباتك لرأيناك جاهلًا في كثير من الأمور ..
وبالتالي: لا عودة للأمة إلا بأن يقودها العلماء كما قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الابتداء، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وهو العلم؛ وحين لا يكون ذلك، فإن ما يقع يكون بسبب العلماء أنفسهم .. وأنا الآن لا أتحدث عن الطغاة -سواء طغاة كبارًا أو طغاة صغارًا - لا أتحدث عن هؤلاء، لأن هذا هو شأنهم .. شانهم أنهم يريدون أن يكونوا كل شيء، والقوى الأخرى -ومنها قوة العلم- أن تكون في داخلهم ليستخدموها .. أنا أتحدث عن العلماء .. عن شرف العلم الذي يمتحن .. هذا الشرف بأن يكون قليلًا فإن أكرمته أتاك غيره، يعني: طالب العلم المبتدئ يمتحن شرف العلم عنده، فإن احترمه وقدره ودافع عنه واستمات دونه، يأتيه العلم حينئذٍ .. يحبه العلم ويأتي، لأنه يشعر أن هذا هو صاحبه؛ ولكن حين لا يحترم العلم يهرب منه العلم .. يهرب منه .. لا يأتيه .. لا يكرمه الله عز وجل به، لأنه لا يستحقه.
فالمطلوب من أهل العلم هو: أن يُثبتوا مكانتهم، وأن يُثبتوا أهميتهم، وأن يُعزوا العلم الذي عندهم .. الخطاب لهم لا أخاطب غيرهم .. فما هو المطلوب؟؟ المطلوب هو: أن تكون مؤسستك .. أن يكون اسمك .. أن يكون علمك مستقلًا لا أحد في الدنيا له سيطرة عليك إلا الحق .. الحق هو الذي تذعن له فقط .. وهذا يحتاج إلى صبر وإلى فقر .. أن تكون فقيرًا .. ويحتاج إلى صبر، وإلى دوام ثبات، وعدم الانجرار وراء الدعوات المشبوهة التي