الصفحة 38 من 60

الإِنسانُ من يلتزم ما لا يطيقه ينبغي أن يقول له: لا تلتزم ما لا تطيق، فيترك بعضه وهو من نحو قوله: - صلى الله عليه وسلم:(( عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ" [1] ."

فالاستطاعة إِذن قيد مهم في ما يقوم به المأمور هنا. بل إِنها قيد لكل المأمورات الشرعية، وهي كما يقول ابن العربي - رَحِمَهُ اللَّهُ -"أصل عظيم في الدين، وركن من أركان شريعة المسلمين شرفنا اللَّه سبحانه على الأمم بها، فلم يحملنا إِصرا [2] ولا كلفنا في مشقة أمرا، وقد كان مَنْ سَلَفَ من بني إِسرائيل إِذا أصاب البولُ ثوبَ أحدهم قرضه بالمقراض فخفف اللَّه تعالى ذلك إِلى وظائف على الأمم حملوها ورفعها اللَّه تعالى عن هذه الأمة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ... الْحَدِيثَ [3] " [4] .اهـ".

فالمسلم إِذن لا يكلف إِلا بما يستطيعه، أما ما كان فوق استطاعته فلا تجب فيه الطاعة، لما في الطاعة - والحالة كذلك - من الإِضرار بالمطيع والقاعدة الشرعية المقررة، أن الضرر يزال [5] .

مثل: كثرة الأوامر، والفسق الذاتي، ومنع حقوق الناس ونحو ذلك. وقد جاءت في ذلك النصوص الكثيرة والصريحة في هذا الأمر.

فعن عبد اللَّه بن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ

(1) شرح النووي على صحيح مسلم 13/ 11 ا هـ.

(2) قوله:"إِصرا"الإِصر: الثقل (انظر الجامع لأحكام القرآن 3/ 432) .

(3) متفق عليه عن أبي هريرة (صحيح البخاري مع فتح الباري 13/ 251، وكتاب الاعتصام الباب (وصحيح مسلم كتاب الفضائل الحديث رقم 130.

(4) أحكام القرآن 1/ 264.

(5) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص 83، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص 85، وجامع العلوم والحكم ص 285 - 293.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت