المحرمة هي الإحداث المُلغي أو المُعدل لما ورد نصًا أو مقصدًا، أما الإحداث المحقق لمقاصد الشرع فهو من التجديد الممدوح شرعًا. والإضراب عن الطعام لتحقيق مصالح من هذا التجديد الممدوح شرعًا.
3 -الانتحار وإهلاك النفس يختلف عن الإضراب عن الطعام فلا يقاس عليه لأن المنتحر متسخط على القضاء فتعجل الموت أما المضرب عن الطعام فليس متسخطًا على القضاء، وإنما يسلك طريقًا من طرق الاحتجاج على الظلم مما اعترف المجتمع به، والانتحار وسيلة يلجأ إليها الإنسان ليتخلص من حياته بسبب سوء معيشة أو ضيق في الرزق أو موقف قوي صدم مشاعره فلا يجد منه مُخلصًا سوى إزهاق روحه وقتل نفسه، فهو هارب من الحياة لغير غاية. أما المضرب فصاحب قضية مجاهد بنفسه يبتغي رفع الظلم ومنعه ودحر العدو وردعه.
4 -أما وجوب الأكل من الميتة فالمسألة بين قائل بالوجوب وبين قائل بالإباحة وله الامتناع فإن عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلم جاء في حقه: «أن طاغية الروم حبسه في بيت، وجعل معه خمرًا ممزوجًا بماء، ولحم خنزير مشوي ثلاثة أيام فلم يأكل ولم يشرب، حتى مال رأسه من الجوع والعطش وخشوا موته فأخرجوه، فقال: قد كان الله أحله لي، لأني مضطر، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام» ولأن إباحة الأكل رخصة، فلا تجب عليه كسائر الرخص، ولقوله تعالى: {وقد فصَّل لكم ما حَرَّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام:119/ 6] استثناء من التحريم، والاستثناء من التحريم حل أو إباحة كما يقرر الأصوليون، كما أن القائلين بوجوب الأكل من الميتة قالوا بذلك حتى لا يهلك نفسه دون سبب وما نحن فيه هنا يختلف لأنه يعتبره بهدف الجهاد.
الترجيح: إن قضية"الإضراب عن الطعام"من القضايا العامة التي يحتاج فيها أولوا الأمر وذووا الشأن استقراء آراء الفقهاء المعاصرين؛ لمعرفة الاتجاه الأكثر سريانًا وقبولًا لإمكان الالتزام به سياسة، فإنني أرى اختيار ما ذهب إليه أكثر الفقهاء المعاصرين القائلون بمشروعية استخدام الإضراب عن الطعام كوسيلة للضغط على الإدارات المعنية في رفع انتهاكها للحقوق الإنسانية عن المضرِبين باعتبارها وسيلة تعبير عن آخر ما يملكون من وسائل احتجاجية؛ لقوة أدلتهم، ولتأصيل وسيلة"الإضراب"من الحقوق الإنسانية في