إني أبيت يطعمني ربي ويسقين»، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: «لو تأخر لزدتكم» كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا [1] .
وجه الدلالة: صيام الوصال فعله الصحابة لغرض الاقتداء برسول الله فامتنعوا عن الطعام والشراب لغرض مشروع وقد فعله رسول الله معهم فيمكن قياس مشروعية الإضراب عن الطعام للمطالبة بالحقوق الإنسانية على الوصال في الصوم بجامع الامتناع عن الطعام.
المناقشة: من خلال استعراض أدلة الفقهاء أجد أمامي عدة نقاط:
1 -ليس في الإضراب شبه بصيام الوصال المنهي عنه ولا يعرف حكمه من خلاله؛ لأن نظام الإضراب يقوم على شرب ماء ممزوج بملح على الأقل، والاستدلال بحرمة الوصال على حرمة الامتناع عن الطعام لا يسلم لسببين:
الأول: اختلف الفقهاء في حرمة الوصال فمنهم من قال بالكراهة لأن سمرة رضي الله عنه صرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرم الوصال قال: {نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال وليس بالعزيمة} وإقدام الصحابة على الوصال بعد النهي فذلك يدل أنهم فهموا أن النهي للتنزيه لا للتحريم كما قال الحافظ وقد ذهب إلى جوازه مع عدم المشقة عبد الله بن الزبير وروى ابن أبي شيبة عنه بإسناد صحيح أنه كان يواصل خمسة عشر يومًا.
ومنهم من قال بالجواز لأن الصحابة أبوا أن ينتهوا كما جاء في الحديث [2] .
الثاني: على فرض القول بالحرمة فالسبب في التحريم هلاك النفس وتعذيبها دون غرض صحيح فلا يصح قياسه على الإضراب عن الطعام لغرض معين فهو قياس مع الفارق.
ومن استدل بالوصال في الصوم على إباحة الإضراب لا يسلم له ذلك أيضًا لأن رسول الله نهى عن الوصال (تنزيهًا كما قال بعضهم أو تحريمًا) فلا تقاس الإباحة على النهي.
2 -أما التشبه بغير المسلمين فإن المنهي عنه فيه هو التشبه بهم فيما يتعارض مع نصوص الشريعة ومقاصدها أما غير ذلك فيجوز التشبه بهم فيما يعود على المسلمين بالنفع والمصلحة؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما"أن النبي كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء" [3] ، ولا يعد بدعة محرمة لأن البدعة
(1) البخاري برقم 1965 كتاب الصوم باب التنكيل لمن أكثر الصوم 3/ 37.
(2) نيل الأوطار: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني تحقيق: عصام الدين الصبابطي: 4/ 258:259 الناشر: دار الحديث، مصر الطبعة الأولى 1413 هـ - 1993 م.
(3) البخاري 4/ 189 كتاب المناقب باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم.