الصفحة 6 من 31

الحمد لله رب العالمين أشهد ألا إله إلا الله ولي المتقين وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خاتم الأنبياء والمرسلين أما بعد:

فإن الطعام والشراب والهواء مُقوِّمات الحياة التي ضمنها الله عَزَّ وَجَلَّ لنا، وهي نعم عظيمة لا غنى لمخلوق عنها، ولقد أمر الشارع العباد بالمحافظة على الصحة، وأباح لهم الطيبات من الرزق؛ ليتقووا بذلك على طاعته وطلب مرضاته، ونهاهم عن الوصال في الصيام لئلا يضعفوا أو يتضرروا، ونعى على أقوام أنهم امتنعوا عن بعض ما أحل الله تزهدًا وتنسكًا، وحرم كل ما يلحق الضرر بالبدن من مطعم ومشرب، وتوعد من تسبب في قتل نفسه أشد وعيد قال الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا* ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا فسوف نصليه نارًا ... ) النساء [29 - 30] .

عني الإسلام بالجسم والنفس، فأوجب تناول الحد الأدنى أو الضروري من الطعام والشراب للحفاظ على الحياة، ودفع الهلاك عن النفس [1] ، وللقيام بالواجبات الدينية من صلاة وصيام ونحوهما، وما عدا قدر الضرورة يباح تناوله ما لم يصل إلى حد الإسراف، فالإسراف في الأكل والشرب فوق الطاقة الجسمية ضرر وخطر وحرام والاعتدال هو المطلوب، قال تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف:31] .

والملبوس والمأكول هو الحلال الطيب، فقد أحل الله للإنسان كل نافع في الأرض قال تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعًا} [البقرة:29] وقد أردف الله تعالى الآية السابقة بقوله: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده، والطيبات من الرزق} [الأعراف:32] . وتوالت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في تقرير هذا المباح فقال تعالى: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا} [البقرة:168] وقال أيضًا: {ويحل لهم الطيبات. ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف:157] .

وفي تفسير قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أحل الله في هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرفًا أو مخيلة فأما ما تدعو الحاجة إليه، وهو ما سد الجوعة وسكن الظمأ، فمندوب إليه عقلًا وشرعًا، لما فيه من حفظ النفس وحراسة الحواس، ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال، لأنه يضعف الجسد ويميت النفس،

(1) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ: عثمان بن علي بن محجن البارعي، فخر الدين الزيلعي الحنفي 5/ 185: المطبعة الكبرى الأميرية - بولاق، القاهرة الطبعة: الأولى، 1313 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت