ولقد ذكر الفقهاء أن الأكل للغذاء والشرب لدفع العطش فرض على المسلم بمقدار ما يدفع الهلاك أو الأذى عن نفسه كتعطيل منفعة السمع أو البصر أو غيرهما فَإِنْ تَرَكَ الأْكْل وَالشُّرْبَ حَتَّى هَلَكَ فَقَدِ انْتَحَرَ؛ لأِنَّ فِيهِ إِلْقَاءَ النَّفْسِ إِلَى التَّهْلُكَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيل [1] . بل إنه لا يجوز للمسلم تقليل الطعام وكذا الشراب بحيث يضعف عن أداء الفرض، لأن ترك العبادة لا يجوز فكذا ما يفضي إليه، وأقل ذلك ما يتمكن به المسلم من أداء الصلاة قائمًا؛ لأن القيام في الصيام فرض واجب، وما توقف عليه الواجب فهو واجب، فمن ترك الطعام ولم يأكل حتى ضعف أو مات فهو آثم، لأنه أتلف نفسه.
أما الامتناع عن الطعام في حالة الضرورة بحيث لم يجد إلا ميتة أو لحم خنزير فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين: القول الأول: حرمة الإضراب عن الطعام في هذه الحالة ويجب الأكل من الميتة والخنزير في حالة الضرورة وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والمعتمد عند الشافعية والمشهور عند الحنابلة [2] . فإِذَا اضْطُرَّ الإْنْسَانُ لِلأْكْل أَوِ الشُّرْبِ مِنَ الْمُحَرَّمِ كَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْخَمْرِ حَتَّى ظَنَّ الْهَلاَكَ جُوعًا لَزِمَهُ الأْكْل وَالشُّرْبُ. واستدلوا على ذلك بما يلي:
1 -قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} سورة النساء الآية: 29 لأنه إِذَا امْتَنَعَ حَتَّى مَاتَ صَارَ قَاتِلًا نَفْسَهُ، بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَرَكَ أَكْل الْخُبْزِ وَشُرْبَ الْمَاءِ فِي حَال الإْمْكَانِ؛ لأِنَّ تَارِكَهُ سَاعٍ فِي إِهْلاَكِ نَفْسِهِ.
2 -هو قادر على إحياء نفسه بما أحله الله له فلزمه، كما لو كان معه طعام حلال. 3 - قياسا على حُكْمُ الإْكْرَاهِ عَلَى أَكْل الْمُحَرَّمِ، فَلاَ يُبَاحُ لِلْمُكْرَهِ الاِمْتِنَاعُ مِنْ أَكْل الْمَيْتَةِ أَوِ الدَّمِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ فِي حَالَةِ الإْكْرَاهِ؛ لأِنَّ هَذِهِ الأْشْيَاءَ مِمَّا يُبَاحُ عِنْدَ الاِضْطِرَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} ، وَقَدْ تَحَقَّقَ الاِضْطِرَارُ بِالإْكْرَاهِ، وَلَوِ امْتَنَعَ عَنْهُ حَتَّى قُتِل يُؤَاخَذُ بِهِ وَيُعَدُّ مُنْتَحِرًا، لأِنَّهُ بِالاِمْتِنَاعِ عَنْهُ صَارَ مُلْقِيًا نَفْسَهُ إِلَى التَّهْلُكَةِ [3] .
القول الثاني: جواز الإضراب عن الطعام حيث قالوا بجواز الأكل من الميتة وليس الوجوب فالأكل من الميتة مباح وله أن يتركه وهو قول عند المالكية ووجه عند الشافعية ووجه عند الحنابلة [4] .
(1) المبسوط: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي 9/ 24 دار المعرفة - بيروت بدون طبعة تاريخ النشر: 1414 هـ-1993 م
(2) أحكام القرآن المؤلف: أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص الحنفي 1/ 149، المحقق: محمد صادق القمحاوي - عضو لجنة مراجعة المصاحف بالأزهر الشريف الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت تاريخ الطبع: 1405 هـ، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: علاء الدين، أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الحنفي 7/ 176،: دار الكتب العلمية الطبعة الثانية، 1406 هـ - 1986 م،، ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي، المعروف بالحطاب الرُّعيني المالكي 3/ 233: دار الفكر الطبعة الثالثة، 1412 هـ - 1992 م، وأسنى المطالب في شرح روض الطالب ومعه حاشية الرملي الكبير: زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، زين الدين أبو يحيى السنيكي 1/ 570: دار الكتاب الإسلامي: بدون طبعة وبدون تاريخ.
(3) نفس المراجع السابقة.
(4) تبيين الحقائق: الزيلعي 2/ 68، المجموع شرح المهذب (( مع تكملة السبكي والمطيعي ) )المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676 هـ) 9/ 43 الناشر: دار الفكر، المغني لابن قدامة: أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي الشهير بابن قدامة المقدسي 9/ 416:415 الناشر: مكتبة القاهرة بدون طبعة تاريخ النشر: 1388 هـ - 1968 م، حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب الرباني: أبو الحسن, علي بن أحمد بن مكرم الصعيدي العدوي 1/ 581 المحقق: يوسف الشيخ محمد البقاعي: دار الفكر - بيروت بدون طبعة تاريخ النشر 1414 هـ - 1994 م.