إن من ينظر في مصادر الشريعة الإسلامية يثبت لديه بموجب الاستقراء أن أحكام الله جارية وفق مصالح العباد آتية لإسعادهم في الدارين الدنيا والآخرة، وهذا مناط قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) } . [1] ، كما تهدف هذه الشريعة السمحة إلى رفع الحرج عن الناس وإرساء مبدأ التكافل والتعاون بينهم.
قال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ (6) } [2] ، وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (2) } [3] ، فأمر الله تعالى بالتعاون على البر، وجعل عونه تعالى لعبده مقرونًا بعون ذلك العبد لأخيه على طاعة الله، قال - صلى الله عليه وسلم:"والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه" [4] ؛ لأن الناس ليسوا على نمط واحد من الهمم والمواهب والقدرات، بالإضافة إلى أن المسافات المكانية بين الناس قد تعيقهم عن تحقيق ما يصبون إليه من أهداف دينية أو اجتماعية أو مادية؛ ولهذا كان الناس في أمس الحاجة إلى الاستعانة بغيرهم لتحقيق تلك الأهداف إما لعجزهم عن مباشرتها بأنفسهم أو لعدم رغبتهم في ذلك خوفًا من الوقوع في الحرج ولديهم ما يلزم لإنشائها من مال ورجال وأدوات.
ومن هنا ظهر للعيان الحكمة من مشروعية الإرسال، فإن به تطوى المسافات، ويتم قضاء ما يراد ويؤمل من حاجات يعود نفعها على الفرد
(1) سورة الأنبياء ـ الآية (107) .
(2) سورة المائدة ـ جزء من آية (6) .
(3) سورة المائدة ـ جزء من آية (2) .
(4) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن والذكر، رقم الحديث 4867.