فهرس الكتاب

الصفحة 448 من 943

أمَّا بعد؛

فإنَّ المتأمِّلَ في أحوالِ أُولي الأمر من العُلماءِ والأمراء ليجدُ أنَّ مراتبهم في نفوسِ الخلقِ تتفاوت، سُموًّا ورفعة، وخفضًا وضَعَة، بحسب اقتران فعالهم بأقوالهم، فإن النفوس فطرت على تعظيم وتقدير من أتبع قوله فعله، والعكس بالعكس.

ولذا كان اقتضاءُ القول العمل أحد الأسس التي تقوم عليه الدعوة عند أهل الطائفة المنصورة، إذ هو دليل صدق الدعوة، ودليل صدق أصحابها، وعلامة يقينهم في ما يدعون الناس إليه، بل هو ذاته دعوةٌ أبلغ من دعوة القول، إذا قد فطر الله النفوس على أن تستجيب للسان الحال أعظمَ من استجابتِها للسان المقال، ولذا فكل ما اتسعت مسافة الخُلفِ بين القول والعمل كلما قل تأثير القول في المدعوين، فكان عي الفعال كعي المقال، بل هو أشد.

وقد نهى الله تعالى عن مخالفة العمل للقول، فقال سبحانه: {أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة:44] .

قالَ القُرطبي: (هَذَا اِسْتِفْهَام معناه التَّوْبِيخ، وَالْمُرَاد فِي قَوْل أَهْل التَّاوِيل عُلَمَاء الْيَهُود، قَالَ اِبْن عَبَّاس(كَانَ يَهُود الْمَدِينَة يَقُول الرَّجُل مِنْهُمْ لِصِهْرِهِ وَلِذِي قَرَابَته وَلِمَنْ بَيْنه وَبَيْنه رَضَاع مِنْ الْمُسْلِمِينَ اُثْبُتْ عَلَى الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ، وَمَا يَامُرك بِهِ هَذَا الرَّجُل يُرِيدُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ أَمْره حَقّ فَكَانُوا يَامُرُونَ النَّاس بِذَلِكَ، وَلَا يَفْعَلُونَهُ ) )

و قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف:2 - 3]

قال السعدي: (أي: لم تقولون الخير، وتحثون عليه، وربما تمدحتم به، وأنتم لا تفعلونه. وتنهون عن الشر، وربما نزهتم أنفسكم عنه، وأنتم متلوثون متصفون به. فهل تليقُ بالمؤمنين، هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت