وتأمل قوله تعالى ذهب الله بنورهم ولم يقل بنارهم ليطابق أول الآية فإن النار فيها إشراق وإحراق فذهب بما فيها من الإشراق وهو النور وأبقى عليهم ما فيها من الاحراق وهو النارية
وتأمل كيف قال بنورهم ولم يقل بضوئهم مع قوله فلما أضاءت ما حوله لأن الضوء هو زيادة في النور فلو قيل ذهب الله بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة فقط دون الأصل فلما كان النور أصل الضوء كان الذهاب به ذهابا بالشيء وزيادته وأيضا فإنه أبلغ في النفي عنهم وأنهم من أهل الظلمات الذين لا نور لهم وايضا فإن الله تعالى سمى كتابه نورا ورسوله نورا ودينه نورا وهداه نورا ومن أسمائه النور والصلاة نور فذهابه سبحانه بنورهم ذهاب بهذا كله
وتأمل مطابقة هذا المثل لما تقدمه من قوله أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين كيف طابق هذه التجارة الخاسرة التي تضمنت حصول الضلالة والرضى بها وبدل الهدى في مقابلتها وحصول الظلمات التي هي الضلالة والرضى بها بدلا عن النور الذي هو الهدى والنور فبدلوا الهدى والنور وتعوضوا عنه بالظلمة والضلالة فيا لها من تجارة ما أخسرها وصفقة ما أشد غبنها
وتأمل كيف قال الله تعالى ذهب الله بنورهم فوحده ثم قال وتركهم في ظلمات فجمعها فإن الحق واحد وهو صراط الله المستقيم الذي لا صراط يوصل إليه سواه وهو عبادته وحده لا شريك له بما شرعه على لسان رسوله لا بالأهواء والبدع وطرق الخارجين عما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق بخلاف طرق الباطل فإنها متعددة متشعبة ولهذا يفرد سبحانه الحق ويجمع الباطل كقوله تعالى الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين