فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 40

عن الْمَرْءِ لا تَسأَلْ وسَلْ عنْ قَرِينِهِ فكُلُّ قَرينٍ بالْمُقَارَنِ يَقْتَدِي

فإنْ كانَ ذا شَرٍّ فجَانِبْهُ سُرْعَةً وإنْ كانَ ذا خَيْرٍ فقَارِنْهُ تَهْتَدِي

ورَوَى الإمامُ أبو عمرَ بنُ عبدِ الْبَرِّ عن ابنِ أبي حُسينٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ لُقمانَ الحكيمَ كانَ يقولُ: يا بُنَيَّ، لا تَتَعَلَّمِ العلْمَ لتُبَاهِيَ بهِ العُلماءَ، وتُمَارِيَ بهِ السُّفهاءَ، وتُرَائِيَ بهِ في الْمَجالِسِ، ولا تَدَعِ العلْمَ زُهدًا فيهِ - وفي رِوَايَةٍ: حياءً مِن الناسِ ورَغْبَةً في الْجَهالةِ - يا بُنَيَّ، اخْتَرِ المجالِسَ على عَيْنِكَ.

فإذا رَأَيْتَ قَومًا يَذكرونَ اللَّهَ فاجْلِسْ معَهُم؛ فإنَّكَ إنْ تَكُ عالِمًا يَنْفَعْكَ علْمُكَ، وإنْ تَكُ جاهِلًا يُعَلِّمُوكَ، ولَعَلَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ علَيْهِم برَحمتِهِ فتُصيبَكَ معَهُم، وإذا رَأَيْتَ قومًا لا يَذكرونَ اللَّهَ فلا تَجْلِسْ معَهُم؛ فإنَّكَ إنْ تَكُ عالِمًا لا يَنْفَعْكَ علْمُكَ، وإنْ تَكُ جاهلًا يَزِيدُوكَ غَيًّا، ولَعَلَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عليهم بعذابٍ فيُصيبَكَ معَهُم.

ويَجِبُ على طالِبِ العلْمِ أنْ يُدِيمَ حَمْدَ اللَّهِ تعالى وشُكْرَهُ على نِعَمِهِ العظيمةِ، وآلائِهِ الْجَسيمةِ، التي مِنْ أَعْظَمِها أنْ جَعَلَهُ مُحِبًّا للعلْمِ طالبًا لهُ مَعْدُودًا مِنْ أهْلِهِ، ولا شَكَّ أنَّ هذا اصطفاءٌ مِن اللَّهِ تعالى، وقدْ قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: (( مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ) ).

فلذا يَنبغِي لطالِبِ العلْمِ أنْ يَتذكَّرَ أنَّ الدُّنيا فانِيَةٌ، والعمْرَ قصيرٌ، والأجَلَ قريبٌ، حتَّى يُقَدِّمَ مِن العلومِ الأَهَمَّ على الْمُهِمِّ، وأَهَمُّ ما يَلْزَمُهُ الفِقْهُ في الدِّينِ والعمَلُ بهِ، وما سِوَى ذلكَ فلا يَجِبُ على الإنسانِ علْمُهُ. وأَنْشَدَ بعضُهم:

إذا ما اعْتَزَّ ذُو عِلْمٍ بعِلْمٍ فعِلْمُ الفقْهِ أَوْلَى باعْتِزَازِ

فكَمْ طِيبٍ يَفوحُ ولا كَمِسْكٍ وكم طَيْرٍ يَطيرُ ولا كَبَازِ

وقالَ في (غِذَاءُ الألبابِ) في شَرْحِ قولِ الإمامِ ابنِ عبدِ القَوِيِّ:

ولا تَسْأَمَنَّ العلْمَ واسْهَرْ لِنَيْلِهِ بلا ضَجَرٍ تَحْمَدْ سُرَى اللَّيْلِ في غدِ

فمَنْ أَلِفَ السُّهادَ، وتَرَكَ الوِسادَ والْمِهَادَ، وجابَ البلادَ، وحُرِمَ الأهلَ والأولادَ، نالَ منهُ المُرَادَ، مَنْ طلَبَ وَجَدَّ وَجَدَ، ومَنْ قَرَعَ البابَ وَلَجَّ وَلَجَ، ومَنْ أَلِفَ السَّآمَةَ والنَّوْمَ لم يَنَلْ ما نالَ القومُ، فإذا رَأَيْتَ نفْسَكَ لا تَنْهَضُ لِنَيْلِ العلومِ، ولا تَدْأَبُ في إِدْرَاكِ المنطوقِ منها والمفهومِ، فاعلَمْ أنَّكَ مِمَّن اسْتَرْذَلَهُ اللَّهُ، وأَبْعَدَهُ واسْتَحْوَذَ عليهِ الشيطانُ وأَقْعَدَهُ.

فَعَن الحسَنِ البَصريِّ رَحْمَةُ اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ: إذا اسْتَرْذَلَ اللَّهُ عَبْدًا زَهَّدَهُ في العلْمِ.

وقالَ الإمامُ أحمدُ رَضِيَ اللَّهُ عنْهُ: لا يُثَبَّطُ عنْ طلَبِ العلْمِ إلاَّ جاهلٌ. وقالَ: ليسَ قَوْمٌ خيرًا مِنْ أهلِ الحديثِ.

وممَّا يُزَيِّنُ طالِبَ العلْمِ كِبَرُ عقْلِهِ، والتوَدُّدُ إلى الناسِ، والاعترافُ بفضْلِ الفاضلِ، والتغافُلُ عنْ جَهْلِ الجاهِلِ. وَلَقَدْ أَحْسَنَ القائلُ:

وما عَبَّرَ الإنسانُ عنْ فَضْلِ نفْسِهِ بِمِثْلِ اعتقادِ الفَضْلِ في كلِّ فاضِلِ

وليسَ مِن الإِنْصَافِ أنْ يَدْفَعَ الفَتَى يَدَ النَّقْصِ عنهُ بانتقاصِ الأفاضِلِ

ومِنْ كلامِ الإمامِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: بالصَّبْرِ واليقينِ تُنالُ الإمامةُ في الدِّينِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت