الخَلْقَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتْ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ, فَقَالَ لَهُ: مَهْ؟ قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِن الْقَطِيعَةِ. قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ, وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ. قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَذَاكِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} » [1] .
و عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: قَالَ الله: «أَنَا الرَّحْمَنُ وَهِيَ الرَّحِمُ, شَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِن اسْمِي, مَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ, وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ» [2] .
والإحسان إلى الأرحام: القيام بصلتهم بالمعروف بالمال وبالعون على الحاجة، وبدفع الضرر, وبطلاقة الوجه, وبالدعاء, وبالزيارات, والهدايا والنفقات، وبالعطف والحنان, ولين الجانب, وبشاشة الوجه, والإكرام والاحترام, وكل ما تعارف الناس عليه من صلة، والمعنى الجامع: إيصال ما أمكن من الخير ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة.
قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرَّحِم الَّتِي تُوصَل عَامَّة وَخَاصَّة, فَالْعَامَّة رَحِم الدِّين وَتَجِب مُوَاصَلَتهَا بِالتَّوَادُدِ وَالتَّنَاصُح وَالْعَدْل وَالْإِنْصَاف وَالْقِيَام بِالْحُقُوقِ الْوَاجِبَة وَالمُسْتَحَبَّة. وَأَمَّا الرَّحِم الْخَاصَّة فَتَزِيد لِلنَّفَقَةِ عَلَى الْقَرِيب وَتَفَقُّد أَحْوَالهمْ وَالتَّغَافُل عَنْ زَلَّاتهمْ. وَتَتَفَاوَت مَرَاتِب اِسْتِحْقَاقهمْ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الْحَدِيث قال بَهْزُ بْنُ
(1) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب وتقطعوا أرحامكم، برقم: (4832) .
(2) سنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم، برقم: (1694) .