حَكِيمٍ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ الله، مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: أُمَّكَ. قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمَّكَ. قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمَّكَ. قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ» [1] .
وَقَالَ ابْن أَبِي جَمْرَة: تَكُون صِلَة الرَّحِم بِالمَالِ, وَبِالْعَوْنِ عَلَى الْحَاجَة, وَبِدَفْعِ الضَّرَر, وَبِطَلَاقَةِ الْوَجْه, وَبِالدُّعَاءِ. وَالمَعْنَى الْجَامِع إِيصَال مَا أَمْكَنَ مِن الْخَيْر, وَدَفْع مَا أَمْكَن مِن الشَّرّ بِحَسَبِ الطَّاقَة, وَهَذَا إِنَّمَا يَسْتَمِرّ إِذَا كَانَ أَهْل الرَّحِم أَهْل اِسْتِقَامَة, فَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا أَوْ فُجَّارًا فَمُقَاطَعَتهمْ فِي الله هِيَ صِلَتهمْ, بِشَرْطِ بَذْل الْجَهْد فِي وَعْظهمْ, ثُمَّ إِعْلَامهمْ إِذَا أَصَرُّوا أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ تَخَلُّفهمْ عَن الْحَقّ, وَلَا يَسْقُط مَعَ ذَلِكَ صِلَتهمْ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ بِظَهْرِ الْغَيْب أَنْ يَعُودُوا إِلَى الطَّرِيق المُثْلَى [2] .
وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في البر وصلة الأرحام كما في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: «لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ دَعَا رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ، فَقَالَ: يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِن النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِن النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِن النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِن النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِن النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِن النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِن النَّارِ؛ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِن الله شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ
(1) جامع الترمذي، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في بر الوالدين، برقم: (1897) .
(2) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، 10/ 418.