لأنهم لا يفهمونه وإن أرضى العامة لجنوحه إلى التصريح والحقائق العارية المكشوفة، لم يرض الخاصة لنزوله إلى مستوى ليس فيه متاع لأذواقهم ومشاربهم وعقولهم" [1] ."
حوارات القرآن الكريم متنوعة شاملةٌ، تحيطُ بجميع جوانب الدين من عقيدة وشريعة وأخلاق ومعاملاتٍ، وتستوعب النفس البشرية بكل كيانها وسائر مداركها ومراكز التأثير فيها.
وحول هذه السمة القرآنية: يقول الزرقاني رحمه الله في مناهل العرفان:"إرضاؤه العقل والعاطفة، ومعنى هذا أن أسلوب القرآن يخاطب العقل والقلب معا ويجمع الحق والجمال معا، ... إلى أن قال:"وهكذا تجد القرآن كله مزيجا حلوا سائغا يخفف على النفوس أن تجرع الأدلة العقلية، ويرفِّه عن العقول باللفتات العاطفية ويوجه العقول والعواطف معا جنبا إلى جنب لهداية الإنسان وخير الإنسان" [2] ."
ويقول دراز رحمه الله": تدبروا في آيات القرآن الكريم: فسترون أنها في معمعة البراهين والأحكام، لا تنسى نصيب القلب من تشويق وترقيق، وتحذير وتنفير، وتهويل وتعجيب، وتبكيت وتأنيب، تجد ذلك في مطالعها ومقاطعها، بين كلماتها وحروفها" [3]
وحين نطبق ذلك على حوارات سورة الأنعام: نلمس هذا الشمولَ واضحا جليا في تنوع الخطابِ الذي يوجَّهُ إلى العقل والوجدانِ في آنٍ واحدٍ، وقد يوجَّهُ إلى كلِّ وحدةٍ منهما على حدة، فتراه تارةً يحاور العقول والأفهام، وتارةً يناجي المشاعر والوجدان، وتارةً يدعو إلى النظر والتأمل والاعتبار في آيات الأنفس والآفاق، وأخرى ينقلُ المستمع - نقلا حيَّا - إلى أجواء يوم القيامة فيعيش مع هذا الحدث الجليل بكل كيانِهِ.
الالتزام بالموضوع الأساسي للحوار، وأن لا ينتقل إلى غيره إلا بعد استيفائه، وهذا المنهج تراه واضحا في الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم بوجهٍ عام، وكذا وحدة الموضوع في السورة الواحدة [4] ، ومن الموضوعية الالتزام بموضوع الحوار وأن لا يحيد عنه، كما يفعل بعض الناس فيراوغون ويتهرَّبون من المواجهة والمناقشة الجادة، ولربما يتفلتون من الحوار الهادف بالسخرية
(1) - مناهل العرفان للشيخ عبد العظيم الزرقاني رحمه الله 2/ 225
(2) - نفس المرجع 2/ 227
(3) - يراجع النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله ص 116
(4) - يراجع في ذلك بحث نظرية الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم والتفسير الموضوعي لسورة الأنعام للمؤلف.