الصفحة 18 من 26

الحديث:"لقد نفث روح القدس في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعصية الله فإنَّ ما عند الله لاينال بمعصيته" (26) .

فطلب الرزق هو العبادة المأمور بها لأن العبادة ـ كما يقول ابن تيمية رحمه الله ـ اسم جامع لما يحبه الله ويأمره به؛ والاعتقاد الجازم بأنَّ الله هو الرازق توكُّل. ونلاحظ أنَّ سياق الآية قدَّم الآمر بالصلاة؛ قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} ؛ وثنى بضمان الرزق فقال: {لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ} وقد قدَّم الحق عز وجل الأمر بالعبادة على الآمر بالتوكُّل في كثير من آيات القرآن الكريم مثل قوله تعالى في الآية 123 من سورة هود: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} ؛ وقدَّم الصبر على التوكُّل في مثل قوله تعالى في الآية 42 من سورة النحل والآية 59 من سورة العنكبوت: {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}

وقدَّم الإيمان على التوكُّل في مثل قوله تعالى في الآية 36 من سورة الشوري: {وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} . وكل ذلك يوحي بأن العمل مقدم على التوكُّل , والعمل يتطلب التخطيط وتلمس أسباب النجاح والأخذ بها. فإذا خطط واجتهد ولم يقصر فليتوكل على الله معترفًا بعجزه عن بلوغ ما وراء الأسباب؛ ومسلما لمن بيده مقاليد الأسباب.

ننظر في هذه الفقرة إن كان واحد من الناجحين قد استغنى عن التخطيط حتى يكون ذلك ذريعة لذمه أو سببًا لتركه. وليس فوق نجاح الأنبياء نجاح, لأنهم بوحي من الله , ومعصومون بعصمته , وليس فوق توكلهم توكُّل وهم المأمورون أصالة بالتوكُّل , والتوكُّل حال النبيين جميعًا ينطلقون في دعوتهم إلى الله متوكلين عليه معتمدين في كل صغيرة وكبيرة عليه" (27) وإمامهم في ذلك أبوهم إبراهيم رضي الله عنه الذي لجأ إلى الله في أشد محنة أبتلي بها فقال حينما أُلقي في النار"حسبنا الله ونعم الوكيل (28) وتبعه في ذلك نبي الله يوسف رضي الله عنه الذي قال حين أُلقي في الجب:"حسبي الله ونعم الوكيل" (29) وسبقهم أبو البشرية الثاني نوح رضي الله عنه الذي حكى القرآن عنه في قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت