الصفحة 17 من 26

فالعبد مأمور بالعبادة أخذًا على نفسه بها , وأمرًا لغيره بها , صبرًا عليها وتحريضًا لغيره بالصبر عليها؛ قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132] ؛ قال ابن جرير الطبري رحمه الله:"واصطبر على القيام بها وأدائها بحدودها أنت , لانسالك رزقًا , يقول: لانكلفك مالًا بل نكلفك عملًا ببدنك نؤتيك عليه أجرًا عظيمًا وثوابًا جزيلًا. نحن نرزقك؛ يقول: نحن نعطيك المال ونكسبك ولا نسألكه" (24) وقال ابن كثير رحمه الله:"وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها"أي استنقذهم من عذاب الله بإقامة الصلاة واصبر أنت على فعلها؛ {لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ} يعني إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب كما قال الله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا 2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2 - 3] ، قال: تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ 56} مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ {57} إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ {58} [الذاريات: 56 ـ 58] (25) والصلاة رمز للعمل الصالح ولفرائض الله التي أمر بالمحافظة عليها, وهي محطة الوقود التي يتزود منها العبد الطاقة التي يستعين بها على التزام حدود الله والبعد عن محارمه؛ قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت: 45] . فإذا أقام الصلاة التزم بالمعروف وانتهى عن الفحشاء والمنكر؛ فكان سعيه لطلب رزقه تعميرًا للأرض وعبادة لله والتزامًا بأبواب الحلال , واجتنابًا لأبواب الحرام والشبهات؛ ولذلك ينبغي أن تكون الصلاة هي المحور والذي يدور حوله البرنامج اليومي للمسلم بحيث يكون وقت أدائها مفرغًا من كل عمل خلافها، ومخصصًا كليًا لها؛ ويكون كل عمل غيرها إما قبلها وإما بعدها.

فالعبد ـ إذن ـ مأمور أن يشغل نفسه بطاعة الله؛ لأنه التكليف الذي من أجله خلق؛ ولا يشغل نفسه بالرزق لأنه مضمون؛ ومن طاعة الله الأخذ بالأسباب؛ والتحطيط له , وتحري أسباب النجاح؛ فإذا استوفى الأسباب , ولم يقصِّر فيها فقد أدى الذي عليه فليضمن رزقه لأنه وعد من لا يخلف الميعاد.

ومن حكمة الله أنه غيَّب المستقبل وجعل الرزق في طياته؛ وسبَّب الأسباب وجعل تصريفها في يده؛ ثم أمر العباد أن يلتزموا طريقًَا مشروعًا في طلب رزقهم؛ وتعبدهم بذلك؛ ولكنه أخفى مقدار الرزق وأوصافه وميقاته ليعلم من يلتزم الطاعة في طلب الرزق ومن تحمله الشفقة وضعف اليقين على استبطاء الرزق وتنكب الطريق فيطلبه من باب يخالف طريق الطاعة. فالرزق آت لا محالة، في موعده الذى أراده الله، وفى مكانه، وبمواصفاته، ولن يغير التزام الطاعة شيئأ في ذلك؛ ولكن العدول عن طريق الطاعة يحمل العبد أوزار المخالفة وذنوب المعاصى. وفى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت