الصفحة 16 من 26

والاجتهاد من أسباب النجاح, والتداوي من أسباب الشفاء. وقد أمر الله عباده أن يتخذوا الأسباب عبادة له وحده، واحتفظ لنفسه جل جلاله بتعريف الأسباب وترتيب النتائج؛ وتكفل لكل مخلوق برزقه مادام حيًا؛ فالمخلوق مطالب بالعمل وفق هذه السنن؛ فإذا كان مزارعًا يكون مطالبًا بحرث الأرض , وبذر الحب , وتعاهده بالري , ورعايته من الآفات؛ يصنع كل ذلك لأن الله أمره به لأنه يعبد الله بعمله هذا؛ أما نتيجة هذا المجهود فعند الله تعالى لأنه طالبه بالحرث فقط ولم يطالبه بالزرع: قال تعالى: {َفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ 63} أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ {64} لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ {65} إِنَّا لَمُغْرَمُونَ {66} بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ {67} [الواقعة الآيات: 63 ـ 67] "إنَّ مهمة العبد تنتهي عند الأخذ بالأسباب وعدم التقصير فيها مع إخلاص النية لله تعالى. والأخذ بالأسباب يقتضي أن يتحرى العبد مظان النجاح وأن يعرف الأسباب التي تثمر النتائج التي يرجوها"يخطط"فيتحرى موسم نجاح المحصول الذي يريد أن يزرعه , ويبحث عن التربة التي تلائم المحصول , يتاكد من مصدر الماء , الخ ويقتضيه ذلك أن يعرف موسم المطر فيعد أرضه للزراعة قبل وقت يمكنه من استثمار الموسم؛ وأن يعرف موسم فيضان النيل فيستعد لاستثمار مياهه وتجنب الأضرار التي يسوقها؛ فهو إذن يتنبأ المطر سينزل والنهر سيفيض؛ وأن ماء المطر أو فيضان النهر سيروي منطقة معينة أو مساحة معينة؛ وأنه سيستمر فترة معينة , كل هذه أحداث يطويها الغيب ولكنها متوقعة وفق قرائن معينة وسنن: ولكنها مربوطة بمشيئة الله: فالمطر سينزل إن شاء الله والنهر سيفيض إن شاء الله."

هذا التنبؤ وهذا التوقع للأحداث التي يطويها الغيب هي واحدة من أسباب النجاح على المرء أن يستثمرها , وهي مرحلة من مراحل التخطيط؛ ولكن عليه أن يعلم أنَّ جهوده ومحاولته استثمارها إنما هو العبادة وأن النتائج بيد الله؛ فقد يتخلف المطر؛ وقد لايفيض النهر؛ وقد تكون كمية الماء في أي منهما دون المطلوب فيعطش الزرع , وقد يموت ,وقد تكون أكثر من المطلوب فيغرق الزرع , وقد يموت؛ وإن سلم من هذه وتلك فقد تصيبه آفة , .... وقد ... وقد ... الخ. فالفرد مطالب بالسعي واتخاذ الأسباب وهذه هي العبادة التي كلفه بها الله؛ وهذا هو التخطيط الذي نعنيه؛ أما النتائج فبيد مسبب الأسباب رب السموات والأرض؛ والتسليم بذلك هو التوكُّل؛ وفي كلام العرب:"على المرء أن يسعى وليس عليه إدراك النجاح"؛ فالتوكُّل والتخطيط قرينان؛ والتخطيط الذي هو الأخذ بالأسباب ضرورة من ضرورات النجاح ولكن لاينبغي الركون لهذه الأسباب.

التخطيط يسبق التوكُّل: ـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت