الصفحة 59 من 70

إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [1] وأن تعاليل الاحكام في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصى، كقوله تعالى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [2] الى غير ذلك. فاذا ثبت"أن الاحكام المنصوص عليها قائمة على رعاية المصالح (فإنه) اذا قرر الشارع للواقعة حكما نبه في الآية أو الحديث على وجه المصلحة المناسبة لتقريره ... صح للمجتهد أن يعمد الى كل واقعة تحقق فيها ذلك الوجه من المصلحة ويسوي بينها وبين الواقعة المنصوص عليها فيما علقه الشارع من حكم" [3] . وذلك هو القياس.

ونحن حين أشرنا الى أن القياس مظهر للحكم لم نذكره كمصدر نظرا لكون القياس غير مستقل بذاته في اثبات الحكم بل هو محتاج الى غيره من مصادر وهي الكتاب والسنة والاجماع والتي تحتوي النصوص التشريعية، ولذا اعتبر القياس مظهرا للحكم نظرا لاستناد الحكم اليه ظاهرا ولم يعبر عن كونه مصدرا نظرا لاحتياجه الى غيره في ذلك، حيث أن العلة التي يبني عليها الحكم ينبغي أن تكون علة شرعية دل عليها الكتاب أو السنة أو الاجماع ومن هنا قالوا أن"القياس مظهر للحكم لا مثبتا"أي بمعنى أنه كاشف للحكم الذي دل عليه النص وليس مثبتا أي مصدرا لان المثبت أو المصدر هو حكم الاصل من كتاب أو سنة أو اجماع.

ويلاحظ أن محل اعتبار القياس يقتصر على الحالة التي يرجع اليها القياس الى نص شرعي في المصادر الشرعية من كتاب وسنة واجماع، وبغير ذلك لا يؤخذ بالقياس. وحيث أن البرهان قد قام على ثبوت شرعية تلك المصادر فان ذلك يجعل اعتبار القياس أمرا حتميا وثابتا، لرجوعه واعتماده على تلك المصادر الشرعية.

واذا تقرر أن القياس مظهر للأحكام الشرعية فان الشريعة بذلك تتناول من الاحداث والقضايا والوقائع التي تواجه الدولة والمجتمع ما لا يتناهى، ولذلك يقول الامام أحمد رحمه الله:"لا يستغني أحد عن القياس .. وقال المزني: الفقهاء من عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى يومنا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الاحكام في أمر دينهم" [4] .

(1) ... سورة الانبياء آية 107.

(2) ... سورة البقرة آية 179 وليست 178.

(3) ... محمد الخضر حسين, رسائل الاصلاح, الجزء الثاني, مرجع سابق, ص 127.

(4) ... المرجع السابق, الجزء الثاني, ص 128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت