وقد سبق القول أن القياس مظهر للأحكام الشرعية. ويعرف علماء الاصول القياس"بأنه تعدية حكم من الاصل الى الفرع لعلة متحدة بينهما [1] "وأن وجه القياس"أن يكون الشيء له في الاصول أشباه، فذلك يلحق بأولاها به وأكثرها شبها فيه [2] "نحو قياس تحريم النبيذ على تحريم الخمر لعلة الاسكار في كل منهما، ونحو تحريم الاجارة والرهن وغيرها من العقود وقت النداء لصلاة الجمعة قياسا على تحريم البيع لاتحادهما في علة الاشغال والالهاء عن الصلاة.
ودليل كون القياس مظهرا للأحكام ما ثبت من السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم «حين أرسل معاذ بن جبل الى اليمن قاضيا قال كيف تقضي ... قال بكتاب الله .. قال فان لم تجد .. قال بسنة رسول الله .. قال فان لم تجد .. قال أجتهد .. فقال عليه الصلاة والسلام الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله .. لما يرضي رسول الله [3] » فقد أقره عليه الصلاة والسلام على الاجتهاد برأيه في مالا يظهر له نص بالكتاب والسنة. وما روى النسائي قال رجل «يا نبي الله أن أبي مات ولم يحج أفأحج عنه قال أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه قال نعم قال فدين الله أحق أن يقضى» [4] . فقياسه عليه الصلاة والسلام دين الله على دين العباد في وجوب القضاء دليل على شرعية القياس. وثبت عن الصحابة قبولهم للقياس حيث قاس أبو بكر الزكاة على الصلاة في وجوب قتال من تركها. وقد ذكر الامام عددا من الاقوال والفتاوى لصحابة الرسول عليه الصلاة والسلام والتي اجتهدوا فيها بالقياس مما يؤكد ثبوت حجية القياس [5] .
كما يستدل على كون القياس مظهرا للأحكام أن العقل يجعل اشتراك المماثلين في علة موجبا لإجراء ما على أحدهم على الآخر. ويلزم من أنكر القياس انكار علل الاحكام كلها وقد قرر علماء الاصول المحققون كابي اسحاق الشاطبي وغيره [6] . أن الشريعة أنما وضعت لمصالح العباد. وهذا معروف باستقراء موارد الشريعة. قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
(1) ... د. بدران, مرجع سابق, ص 140.
(2) ... الشافعي, الرسالة, مرجع سابق, ص 479.
(3) ... ابن الاثير, جامع الاصول, الجزء العاشر, مرجع سابق, ص 551.
(4) ... ابن الاثير, جامع الاصول, الجزء الرابع, مرجع سابق, ص 197.
(5) ... الامام الرازي, المحصول في علم الاصول, الجزء الثاني, مرجع سابق, ص 75 - 81.
(6) ... الشاطبي, الموافقات, الجزء الثاني, مرجع سابق, ص 6 - 7.