الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [1] وقوله تعالى {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [2] ، والصحابة امتازوا عن غيرهم بمشاهدة نزول التشريع وسماع الوحي والمعرفة التامة بما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام من أحولا وما صدر عنه من أحكام مع ما توفر لهم من السلامة التامة في الحس اللغوي ولذا يستحيل عقلا اتفاقهم جميعا على منكر من غير أن يقوم أحد منهم بالتنبيه عليه، كما يستحيل عقلا أن يجتمعوا على حكم أو يقطعوا به على سبيل الجزم من غير أن يكون لهم مستند في ذلك من سنة الرسول عليه السلام. لذلك فإجماع الصحابة يكشف عن وجود دليل من الوحي ثبت لديهم. كما يستحيل اجماع الصحابة على خطأ شرعا اذ لو جاز الخطأ في اجماعهم لجاز الخطأ في الدين لانهم هم الذين نقلوا الينا الدين بإجماعهم، وعنهم أخذنا ديننا، وقام الدليل القاطع بقوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [3] على حفظ الشريعة، وحفظها يستلزم بالضرورة حفظ اجماع الذين نقلوها الى من بعدهم منزهة عن الخطأ والانحراف، ولذا فان اجماع الصحابة دليل شرعي لا شك فيه.
أما اجماع غير الصحابة وعلماء العصور التالية فان الذي نختاره أنه لا يعد مستقلا بذاته بل هو تابع لمن قبلهم من جيل الصحابة، حيث أنه لم يثبت بدليل قطعي لأهل أي عصر سوى الصحابة الثناء من الله تعالى ورسوله كما لم يتحقق للعصور التالية ما تحقق لجيل الصحابة من مشاهدة التشريع فضلا عن تعذر تحقق اجماع جميع المجتهدين في العصور التالية لجيل الصحابة. وعليه فلا اجماع للمجتهدين مستقلا بذاته سوى اجماع الصحابة.
وقد شابه العديد من القوانين الوضعية ما تقرر في الاسلام من كون اتفاق المجتهدين على الحكم واجماعهم يعد مصدرا تشريعيا، ومع كون هذه التشريعات الوضعية لم ترق الى الحد الذي جاء به الاسلام بشأن الاجماع الا أنها في مجملها جعلت الاتفاق:
أساس جميع القوانين تشريعا وتطبيقا، ... القوانين لا تصدر الا بموافقة أغلبية الهيئات التشريعية. وأن النظريات القانونية التي يجمع عليها معظم الفقهاء لها قوة ملزمة وان لم يصدر بها تشريع وأن القوانين الوضعية تجعل الحكم عند تعدد القضاة واختلافهم يخضع
(1) ... سورة التوبة آية 100.
(2) ... سورة الفتح آية 29.
(3) ... سورة الحجر آية 9.