الصفحة 26 من 70

بذلك كقوانين ملزمة تتقيد بها الدولة في ممارساتها، وترعى وفقها شئون الامة. ولهذا كان من الضروري أن يكون للإمام الحق في سن قوانين تشريعية مستنبطة من الادلة الشرعية باجتهادات الفقهاء أو باجتهاده اذا توفرت له صفة الاجتهاد، وأن يسن ويلزم بقوانين وأحكام اجرائية لرعاية الشئون بحسب المصلحة.

أضف الى ذلك، أن تفاوت دلالات النصوص الشرعية، وتفاوت ادراك المجتهدين تبعا لذلك، أدى الى ظهور مذاهب واستنباطات متعددة للفقهاء والمجتهدين للحكم الواحد، ففقهاء المالكية والشافعية يرون، مثلا، قصر زكاة الاموال الزراعية على الاقوات من الحبوب كالقمح والشعير وعلى التمر والزبيب لورود نص عليها فقط من السنة دون غيرها [1] ، في حين يرى فقهاء الأحناف أن في كل ما أخرجت الارض زكاة [2] لعموم قوله تعالى {وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [3] ولهذا فان الامام بحاجة الى أن يتبنى حكما في هذه المسألة عند جباية الدولة لأموال الزكاة. وفي القصاص يرى بعض الفقهاء عدم وقوعه بين المسلم والكافر مطلقا بينما يرى البعض الاخر وقوع القصاص بين المسلم والكافر الذمي [4] ، الى غير ذلك من أمثلة تستدعي تبني الامام حكما محددا بعينه لتسيير أعمال الدولة وسياسة الرعية وفقه، ولهذا فان للإمام أن يسن قوانين تشريعية تبنيا من الشريعة، لا ابتداء، كحق يمكنه مزاولته بهدف تمكينه من القيام بواجباته في تنفيذ أحكام الاسلام ورعاية شئون الامة.

وهذه القوانين ان كانت أحكاما شرعية يراد اقرارها كقوانين تشريعية في الدولة، فينبغي لذلك ان تؤخذ من مصادر الشريعة فقط، كما سبق بيانه، ولا يجوز بحال أخذها من غيرها، ولذا فان الامام عندما يسن القانون التشريعي في الدولة، انما يتبنى بذلك أحكاما شرعية، إما تقليدا لاحد المجتهدين في ذلك اذا ظهر له قوة أدلته وحجيته، أو باجتهاده ان كان أهلا للاجتهاد، وليس للإمام مطلقا في كل حال أن يبتدئ أحكاما تشريعية من عنده أو غير مستنبطة ومستقاة من مصادر الشرع لتحريم الله عز وجل الجازم ونهيه

(1) ... ابن قدامة, المغني, الجزء الثاني, بيروت, دار الكتاب العربي, 1403 - 1983, ص 549.

(2) ... ابن حزم, المحلى, الجزء الرابع, بيروت, دار الكتب العلمية, 1408 - 1988, ص 14.

(3) ... سورة الانعام آية 141.

(4) ... المفتي الجزء التاسع, مرجع سابق, ص 141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت