الصفحة 16 من 70

ومن المحقق أن قفل باب الاجتهاد، في القرن الرابع الهجري، أدى الى ضعف الدولة الاسلامية وعجزها عن مواكبة ظروف التقدم، مما سهل للاستعمار الغربي فيما بعد القضاء على كيان الدولة الاسلامية عن طريق اقصاء التشريع الاسلامي عن واقع الحياة. [1]

وقد ذكر الفقهاء أنه على الرغم من أهمية الاجتهاد ووجوبه الكفائي على الامة فانه مع ذلك لا يجوز الاجتهاد مع وجود النص الشرعي قاطع الثبوت قاطع الدلالة، حيث أنه عند ورود ذلك النص فالواجب تنفيذ ما دل عليه النص ومتى كان النص قطعيا في ثبوته ودلالته على المعنى المراد فانه يخرج بذلك من دائرة البحث والنظر فيه اجتهادا. ولذا لا يجوز الاجتهاد فيما علم من الدين بالضرورة كأصول الايمان وكوجوب الصلاة والزكاة وتحريم موالاة الكفار أو في الاحكام المفسرة المبينة التي تدل على المراد دلالة واضحة نحو عدد ركعات الصلاة وأنصبة الزكاة وحد السارق والزاني ونحو ذلك [2] .

وقد فصل علماء الاصول في الشروط التي ينبغي توفرها في المجتهد وذكروا منها الاسلام، العدالة، المعرفة بالقرآن الكريم والسنة، ومواقع الاجتماع، وعلوم اللغة العربية وألفاظها العرفية والشرعية، ووجوه القياس، والناسخ والمنسوخ الى غير ذلك [3] . ومقصود كل تلك الشروط توفر القدرة على الاجتهاد الصحيح لدى المسلم وبهدف الاحتراز من الغلط في الفهم والخطأ في الاستنتاج.

ومن هذا العرض لواقع التشريع والاجتهاد في التصور الاسلامي تظهر مناسبة التشريع لمعالجة وقائع الحياة في كافة العصور حيث حل التشريع الاسلامي صفة الديمومة بالنظر الى شموله لقواعد عامة وأصول تشريعية خالدة للمجتمعات البشرية وللإنسان من حيث هو انسان لا تختلف حاجاته وغرائزه العضوية والروحية من عصر لعصر أو من مكان

(1) ... الدعوة الى قفل باب الاجتهاد ظهرت في أواخر القرن الرابع الهجري لتخوف العلماء من ضعف الوازع الديني مما قد يؤدي الى هدم صرح الفقه الذي وضعه الائمة السابقون ولإقفال الباب أمام من ليس أهلا للاجتهاد وقطع الطرق على الفرق والمذاهب التي كثرت. وفي القرن الثامن ظهر علماء كابن تيمية وقرروا بقاء باب الاجتهاد مفتوحا لمن كان أهلا له. يراجع في ذلك. الاجتهاد في الشريعة الاسلامية وبحوث أخرى. من البحوث المقدمة لمؤتمر الاسلامي, الرياض, جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية, ادارة الثقافة والنشر, 1404 - 1984, ص 193.

(2) ... بدران أبو العينين بدران, أصول الفقه الاسلامي, مرجع سابق, ص 475.

(3) ... راجع الرازي, المحصول, الجزء الثاني, مرجع سابق, ص 30 - 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت