حكم الله تعالى واظهاره. قال عز وجل {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [1] . وقال تعالى {نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} [2] .وقال {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [3] .
فهذه الآيات توجب على المسلم معرفة أحكام الله تعالى التي تلزمه لأداء فرائضه والقيام بالواجبات المنوطة به، كما تفرض على الامة ايجاد الطائفة التي تتفقه في الدين وتستنبط أحكامه من مصادره الشرعية، والقائمون بالتشريع بهذا المعنى - من استنباط الحكم المستمد من مصادر الشرع واظهاره - هم المجتهدون وأهل الفتيا من المسلمين الذين أوجب الله تعالى عليهم تفهم النصوص وبيان أحكامها واستنباط هذه الاحكام بالاجتهاد والذي عرفه علماء الاصول بأنه"استفراغ الوسع في النظر ... (في) كل حكم شرعي ليس فيه دليل قاطع" [4] .
وقد شرع الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك الاجتهاد بهذا المعنى للحكام وولاة الأمور فقال عليه السلام «اذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران واذا حم فاجتهد فأخطأ فله أجر» [5] ، كما روى أن الرسول عليه الصلاة والسلام أرسل معاذ بن جبل الى اليمن قاضيا فقال له: «كيف تقضي اذا عرض لك قضاء» قال «أقضي بكتاب الله» قال: «فإن لم تجد في كتاب الله» قال «بسنة رسول الله» قال «فان لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله؟» قال «أجتهد رأيي ولا آلو» فقال عليه السلام «الحمد لله وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله» [6] . مما يدل على اقراره عليه الصلاة والسلام لمعاذ على مشروعية الاجتهاد لاستنباط الحكم.
(1) ... سورة النساء آية 83.
(2) ... سورة التوبة آية 122.
(3) ... سورة النساء آية 59.
(4) ... فخر الدين محمد الرازي, المحصول في علم أصول الفقه, الجزء الثاني, الرياض, مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الاسلامية, 1401 - 1981, ص 7 و 39.
(5) ... رواه البخاري, ابن الأثير, جامع الاصول من أحاديث الرسول, الجزء العاشر, بيروت, دار احياء التراث العربي, 1400 - 1980, ص 548.
(6) ... المرجع السابق, ص 551.