(وقت السالك جِدٌ كُلُه)
[*] • قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه اللطائف:
وقت السالك جدٌ كله لعلمه بشرف الزمان والنهار مطالب بحق الملك والليل يقتضي دين الحب فلا وجه للراحة.
لما عاينت أبصار البصائر"يوسف"العواقب قطعت أيدي الهوى بسكين الشوق، فولوج الجمل في سم الخياط أسهل من دخول اللوم في تلك الأسماع، فإذا حان حين الحين فرح سائر الليل بقطع المنزل وصاحت ألسنة الجد بالعاذلين (فَذَلِكُنّ الَّذي لُمتُنَني فيه) .
قُلوبٌ أَبَت أَن تَعرِفَ الصَبرَ عَنهُم أَثمانُ المَعالي، غالِيَةً فَكيفَ يَستامها مفلس، وَكَيف يُنالُ المَجدُ وَالجِسمُ وادِعُ، وَكَيفَ يُحازُ الحَمدُ وَالوَفرُ وافِرُ، كلما تعاظمت الهمم تصاغرت الجثث.
وَلَستَ تَرى الأَجسامَ وَهي ضَيئلَةٌ نواحِلُ إِلا وَالنُفوسُ كِبارُ قال"يحيى بن معاذ": لتكن الخلوة بيتك والمناجاة حديثك فإما أن تموت بدائك أو تصل إلى دوائك.
-وقال أيضاً: كان"عطاء السّلمي"يبكي في غرفته حتى تجري دموعه في الميزاب إلى الطريق فقطرت دموعه يوما فصاح رجل: يا أهل الدار: ماؤكم طاهر؟
فقال"عطاء": اغسله فإنه دمع من عصى الله.
وكان"داود"عليه السلام يؤتى بالإناء ناقصا فلا يشربه حتى يتمه بدموعه.
-وقال أيضاً: دخل رجل ناحل الجسم على"عمر بن عبد العزيز"فقال له: مالك هكذا؟
فقال: ذقت حلاوة الدنيا فرأيتها مرارة فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وذلك قليل في جنب ثواب الله وعقابه.