[*] • قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: «وقد رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعا عجيبا، إن طال الليل فبحديث لا ينفع أو بقراءة كتاب فيه غزل وسمر، وإن طال النهار فبالنوم، وهم في أطراف النهار على دجلة، أو في الأسواق، فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة وهي تجري بهم وما عندهم خبر، ....
ولقد شاهدت خلقا كثيرا لا يعرفون معنى الحياة، فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله فهو يقعد في السوق أكثر النهار ينظر في الناس، وكم تمر به من آفة ومنكر، ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج، ومنهم من يقطع الزمان بحكاية الحوادث عن السلاطين والغلاء والرخص إلى غير ذلك، فعلمت أن الله لم يُطْلِعْ على شرف العمر ومعرفة قدر أوقات العافية إلا من وفقه وألهمه اغتنام ذلك (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [فصلت: 35] ».
• روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن زيد بن وهب قال: حدثني رجل قال: رأيت أخاً لي فيما يرى النائم فقلت: فلان عشت الحمد لله رب العالمين قال: قلتها لأن أقدر أقولها أحب إلي من الدنيا وما فيها، ثم قال: ألم تر حيث يدفنون فلاناً، فإن فلاناً قام فصلى ركعتين، لأن أكون أقدر أن أصليها أحب إلي من الدنيا وما فيها.
• روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن مطرف بن عبد الله الجرشي قال: شهدت جنازة واعتزلت ناحية قريباً من قبر فصليت ركعتين كأني خففتهما لم أرض إتقانهما، ونعست فرأيت صاحب القبر يكلمني فقال: ركعت ركعتين لم ترض إتقانهما، قلت: قد كان ذلك قال تعملون ولا تعملون ونحن نعلم ولا نستطيع أن نعمل لأن أكون ركعت مثل ركعتيك أحب إلي من الدنيا بحذافيرها.
• روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن مفضل بن يونس قال: كان ربيع بن راشد يخرج إلى الجبان فيقيم سائر نهاره ثم يرجع مكتئباً فيقول: كنت في المقابر نظرت إلى قوم منعوا ما نحن فيه ثم يبكي.
• روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الحسن قال: دخلت أنا وصفوان المقابر فقنع رأسه ثم لم يزل يذكر الله تعالى حتى خرجنا من المقابر فقلت له في ذلك فقال إني قد ذكرتهم، وما حضر عليهم من ذلك ونحن المهلة في فأحببت أن أقدم لذلك شيئاً من عمل قال الحسن: أحب والله أن يكون لي في كل خير نصيب.
• روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الفضل الرقاشي أنه كان يقول في كلامه إذا ذكر أهل القبور: يا لها من وجوه حيل بينها وبين السجود لله عز وجل لو يجدون إلى العمل مخلصاً بعد المعرفة بحسن الثواب لكانوا إلى ذلك سراعاً. ثم يبكي ويقول: يا إخوتاه فأنتم اليوم قد خلي بينكم وبين ما عليه ترجون إليه فكاك رقابكم ألا فبادروا الموت وانقطع أعمالكم فإن أحدكم لا يدري متى يحترمه ليلاً أو نهاراً.
• روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن صفوان بن سليم أنه كان في جنازة في نفر من العباد فلما صلي عليها قال صفوان: أما هذا قد انقطعت عنه أعماله واحتاج إلى دعاء من خلف بعده فأبكى القوم جميعاً وقال أبو وهب محمد بن مزاحم قال: قام رجل إلى ابن المبارك في جنازة فسأله عن شيء فقال له: يا هذا سبِّح فإن صاحب السرير منع من التسبيح.
• روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن زيد بن نعامة قال: هلكت جارية في الطاعون فلقيها أبوها بعد موتها في المنام فقال لها: يا بنية أخبريني عن الآخرة فقالت يا أبت قدمنا على أمر عظيم نعلم ولا نعمل وتعملون ولا تعلمون والله لتسبيحة أو تسبيحتان أو ركعة أو ركعتان في عمل أحب إلي من الدنيا وما فيها.
[*] • قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه أهوال القبور:
كان عمرو بن عيينة يخرج بالليل إلى المقابر ويقول: يا أهل القبور طويت الصحف ورفعت الأعمال ثم يصلي حتى يصبح ثم يرجع إلى أهله، ورؤي بعض الموتى في المنام فقال: ما عندكم أكثر من الغفلة وما عندنا أكثر من الحسرة.