فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 148

سئل الشبلي عن المحبة؟ فقال: كأس لها وهج إذا استقر في الحواس وسكن في النفوس تلاشت.

وقيل: للمحبة ظاهر وباطن، ظاهرها اتباع رضا المحبوب، وباطنها أن يكون مفتونًا بالحبيب عن كل شيء ولا يبقى فيه بقية لغيره ولا لنفسه؛ فمن الأحوال السنية في المحبة والشوق، ولا يكون المحب إلا مشتاقًا أبدًا؛ لأن أمر الحق تعالى لا نهاية له؛ فما من حال يبلغها المحب إلا ويعلم أن ما وراء ذلك أوفى منها وأتم:

حزني كحسنك لا لذا ... ينهى إليه ولا لذا أمد

ثم هذا الشوق الحادث عنده ليس من كسبه، وإنما هو موهبة خص الله بها المحبين.

قال أحمد بن أبي الحواري: دخلت على أبي سليمان الداراني فرأيته يبكي، فقلت: ما يبكيك رحمك الله قال:

ويحك يا أحمد، إذا جن هذا الليل افترشت أهل المحبة أقدامهم وجرت دموعهم على خدودهم، وأشرف الجليل جل جلاله عليهم يقول: يعنيني من تلذذ بكلامي واستراح إلى مناجاتي، وإني مطلع عليهم في خلواتهم أسمع أنينهم وأرى بكاءهم، يا جبريل ناد فيهم ما هذا البكاء الذي أراه فيكم؟ هل خبركم مخبر أن حبيبًا يعذب أحبابه بالنار؟ كيف يجمل بي أن أعذب قومًا إذا جن عليهم الليل تملقوا إلي؟ فبي حلفت إذا وردوا القيامة على أن أسفر لهم عن وجهي وأبيحهم رياض قدسي.

وهذه أحوال قوم من المحبين أقيموا مقام الشوق، والشوق من المحبة كالزهد في التوبة: إذا استقرت التوبة ظهر الزهد، وإذا استقرت المحبة ظهر الشوق.

قال الواسطي في قوله تعالى: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} قال: شوقًا واستهانة بمن وراءه {قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي} (طه: الآية 84) من شوقه إلى مكالمة الله، ورمى بالألواح لما فاته من وقته.

قال أبو عثمان: الشوق ثمرة المحبة، فمن أحب الله اشتاق إلى لقائه.

وقال أيضًا في قوله تعالى: {فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ} (العنكبوت: الآية 5) تقربة للمشتاقين، معناه: إني أعلم أن شوقكم إلي غالب، وأنا أجلت للقائكم أجلًا، وعن قريب يكون وصولكم إلى من تشتاقون إليه.

وقال ذو النون: الشوق أعلى الدرجات وأعلى المقامات، فإذا بلغها الإنسان استبطأ الموت شوقًا إلى ربه ورجاء للقائه والنظر إليه.

وعندي: أن الشوق الكائن في المحبين إلى رتب يتوقعونها في الدنيا، غير الشوق الذي يتوقعون به ما بعد الموت، والله تعالى يكاشف أهل وده بعطايا يجدونها علمًا ويطلبونها ذوقًا؛ فكذلك يكون شوقهم ليصير العلم ذوقًا، وليس من ضرورة مقام الشوق استبطاء الموت، وربما الأصحاء من المحبين يتلذذون بالحياة لله تعالى، كما قال الجليل لرسوله عليه الصلاة والسلام: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام: الآية 162)

فمن كانت حياته لله، منحه الكريم لذة المناجاة والمحبة، فتمتلئ عينه من النقد، ثم يكاشفه من المنح والعطايا في الدنيا ما يتحقق بمقام الشوق من غير الشوق إلى ما بعد الموت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت