فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 148

{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ(155)}

وأفضل الصبر الصبر على الله بعكوف الهم عليه، وصدق المراقبة بالقلب، وحسم مواد الخواطر.

والصبر ينقسم إلى فرض وفضل؛ فالفضل كالصبر على أداء المفترضات، والصبر على المحرمات.

ومن الصبر الذي هو فضل: الصبر على الفقر، والصبر عند الصدمة الأولى، وكتمان المصائب والأوجاع، وترك الشكوى، والصبر على إخفاء الفقر، والصبر على كتم المنح والكرامات ورؤية العبر والآيات.

ووجوه الصبر فرضًا وفضلًا كثيرة، وكثير من الناس من يقوم بهذه الأقسام من الصبر، ويضيق عن الصبر على الله بلزوم صحة المراقبة والرعاية ونفي الخواطر، فإذًا حقيقة الصبر كائنة في التوبة كينونة المراقبة في التوبة، والصبر من أعز مقامات الموقنين، وهو داخل في حقيقة التوبة.

قال بعض العلماء: أي شيء أفضل من الصبر ـ وقد ذكره الله تعالى في كلامه في نيف وتسعين موضعًا وما ذكر شيئًا بهذا العدد وصحة التوبة تحتوي على مقام الصبر مع شرفه.

ومن الصبر: الصبر على النعمة: وهو أن لا يصرفها في معصية الله تعالى، وهذا أيضًا داخل في صحة التوبة.

وكان سهل بن عبد الله يقول: الصبر على العافية أشد من الصبر على البلاء.

وروي عن بعض الصحابة: بلينا بالضراء فصبرنا، وبلينا بالسراء فلم نصبر.

ومن الصبر: رعاية الاقتصاد في الرضا والغضب، والصبر عن محمدة الناس، والصبر على الخمول والتواضع والذل: داخل في الزهد وإن لم يكن داخلًا في التوبة، وكل ما فات من مقام التوبة من المقامات السنية والأحوال وجد في الزهد، وهو ثالث الأربعة التي ذكرنا.

وحقيقة الصبر تظهر من طمأنينة النفس، وطمأنينتها من تزكيتها، وتزكيتها بالتوبة؛ فالنفس إذا تزكت بالتوبة النصوح زالت عنها الشراسة الطبيعية، وقلة الصبر من وجوه الشراسة للنفس وإبائها واستعصائها.

والتوبة النصوح تلين النفس وتخرجها من طبيعتها وشراستها إلى اللين؛ لأن النفس بالمحاسبة والمراقبة تصفو وتنطفئ نيرانها المتأججة بمتابعة الهوى، وتبلغ بطمأنينتها محل الرضا ومقامه، وتطمئن في مجاري الأقدار.

قال أبو عبد الله النباجي: لله عباد يستحيون من الصبر ويتلفقون مواضع أقداره بالرضا تلقفًا.

وعن عمر بن عبد العزيز يقول: أصبحت وما لي سرور إلا مواقع القضاء.

وفي الخبر عن رسول الله: «مِنْ خَيْرِ مَا أُعْطِيَ الرَّجُلُ: الرِّضَا بِمَا قَسَم الله تَعَالَى لَهُ» .

فالأخبار والآثار والحكايات في فضيلة الرضا وشرفه أكثر من أن تحصى، والرضا ثمرة التوبة النصوح، وما تخلف عبد عن الرضا إلا بتخلفه عن التوبة النصوح، فإذًا تجمع التوبة النصوح حال الصبر ومقام الصبر، وحال الرضا ومقام الرضا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت