فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 148

{وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(101)}

(الاتصال)

قال النوري: الاتصال مكاشفات القلوب ومشاهدات الأسرار وقال بعضهم: الاتصال وصول السر إلى مقام الذهول.

وقال بعضهم: الاتصال أن لا يشهد العبد غير خالقه ولا يتصل بسره خاطر لغير صانعه.

وقال سهل بن عبد الله: حرّكوا بالبلاء فتحرّكوا، ولو سكنوا اتصلوا.

وقال يحيى بن معاذ الرازي: العمال أربعة: تائب، وزاهد، ومشتاق، وواصل؛ فالتائب محجوب بتوبته، والزاهد محجوب بزهده، والمشتاق محجوب بحاله، والواصل لا يحجبه عن الحق شيء.

وقال أبو سعيد القرشي: الواصل الذي يصله الله فلا يخشى عليه القطع أبدًا، والمتصل الذي بجهده يتصل، وكلما دنا انقطع، وكأن هذا الذي ذكره حال المريد والمراد، لكون أحدهما مبادًا بالكشوف وكون الآخر مردودًا إلى الاجتهاد.

وقال أبو يزيد: الواصلون في ثلاثة أحرف همهم لله، وشغلهم في الله، ورجوعهم إلى الله.

وقال السياري: الوصول مقام جليل، وذلك أن الله تعالى إذا أحب عبدًا أن يوصله اختصر عليه الطريق وقرّب إليه البعيد.

وقال الجنيد: الواصل هو الحاصل عند ربه.

وقال رويم: أهل الوصول أوصل الله إليهم قلوبهم، فهم محفوظو القوى، ممنوعون من الخلق أبدًا.

وقال ذو النون: ما رجع من رجع إلا من الطريق، وما وصل إليه أحد فرجع عنه.

واعلم أن الاتصال والمواصلة أشار إليه الشيوخ، وكل من وصل إلى صفو اليقين بطريق الذوق والوجدان فهو من رتبة الوصول، ثم يتفاوتون، فمنهم من يجد الله بطريق الأفعال وهو رتبة في التجلي فيفنى فعله وفعل غيره لوقوفه مع فعل الله، ويخرج في هذه الحالة من التدبير والاختيار، وهذه رتبة في الوصول. ومنهم من يوقف في مقام الهيبة والأنس بما يكاشف قلبه به من مطالعة الجمال والجلال، وهذا تجلي طريق الصفات وهو رتبة في الوصول. ومنهم من ترقى لمقام الفناء مشتملًا على باطنه أنوار اليقين والمشاهدة مغيبًا في شهوده عن وجوده، وهذا ضرب من تجلي الذات لخواص المقربين، وهذا المقام رتبة في الوصول، وفوق هذا حق اليقين، ويكون من ذلك في الدنيا للخواص لمح: وهو سريان نور المشاهدة في كلية العبد حتى يحظى به روحه وقلبه ونفسه حتى قالبه، وهذا من أعلى رتب الوصول؛ فإذا تحققت الحقائق يعلم العبد مع هذه الأحوال الشريفة أنه بعد في أول المنزل فأين الوصول؟ هيهات منازل طريق الوصل لا تقطع أبدًا أبد الآباد في عمر الآخرة الأبدي، فكيف في العمر القصير الدنيوي؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت