فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 148

الحمد لله العظيم شأنه القوي سلطانه، الظاهر إحسانه الباهر حجته وبرهانه، المحتجب بالجلال والمنفرد بالكمال، والمتردي بالعظمة في الآباد والآزال، لا يصوره وهم وخيال، ولا يحصره حد ومثال، ذي العز الدائم السرمدي، والملك القائم الديمومي، والقدرة الممتنع إدراك كنهها، والسطوة المتسوعر طريق استيفاء وصفها، نطقت الكائنات بأنه الصانع المبدع، ولاح من صفات ذرات الوجود بأنه الخالق المخترع، وسم عقل الإنسان بالعجز والنقصان، وألزم فصيحات الألسن وصف الحصر في حلبة البيان، وأحرقت سبحات وجهه الكريم أجنحة طائر الفهم، وسدت تعززًا وجلالًا مسالك الوهم، وأطرق طامح البصيرة تعظيمًا وإجلالًا، ولم يجد من فرط الهيبة في فضاء الجبروت مجالًا، فعاد البصر كليلًا والعقل غليلًا، ولم ينتهج إلى كنه الكبرياء سبيلًا؛ فسبحان من عزت معرفته لولا تعريفه، وتعذر على العقول تحديده وتكييفه؛ ثم ألبس قلوب الصفوة من عباده ملابس العرفان، وخصهم من بين عباده بخصائص الإحسان؛ فصارت ضمائرهم من مواهب الأنس مملوءة، ومرائي قلوبهم بنور القدس مجلوة؛ فتهيأت لقبول الأمداد القدسية، واستعدت لورود الأنوار العلوية، واتخذت من الأنفاس العطرية بالأذكار جلاسًا، وأقامت على الظاهر والباطن من التقوى حراسًا، وأشعلت في ظلم البشرية من اليقين نبراسًا، واستحقرت فوائد الدنيا ولذاتها، وأنكرت مصائد الهوى وتبعاتها، وامتطت غوارب الرغبوت والرهبوت، واستفرشت بعلو همتها بساط الملكوت وامتدت إلى المعالي أعناقها، وطمحت إلى اللامع العلوي أحداقها، واتخذت من الملإ الأعلى مسامرًا ومحاورًا، ومن النور الأعز الأقصى مزاورًا ومجاورًا، أجساد أرضية بقلوب سماوية، وأشباح فرشية بأرواح عرشية، نفوسهم في منازل الخدمة سيارة، وأرواحهم في قضاء القرب طيارة، مذاهبهم في العبودية مشهورة، وأعلامهم في أقطار الأرض منشورة، يقول الجاهل بهم: فقدوا، وما فقدوا، ولكن سمت أحوالهم فلم يدركوا، وعلا مقامهم فلم يملكوا، كائنين بالجثمان بائنين بقلوبهم عن أوطان الحدثان، لأرواحهم حول العرش تطواف، ولقلوبهم من خزائن البر إسعاف، يتنعمون بالخدمة في الدياجر، ويتلذذون من وهيج الطلب بظمأ الهواجر، تسلوا بالصلوات عن الشهوات. وتعوضوا بحلاوة التلاوة عن اللذات، يلوح من صفحات وجوههم بشر الوجدان، وينم على مكنون سرائرهم نضارة العرفان، لا يزال في كل عصر منهم علماء بالحق؛ داعون للخلق، منحوا بحسن المتابعة رتبة الدعوة، وجعلوا للمتقين قدوة؛ فلايزال تظهر في الخلق آثارهم، وتزهر في الآفاق أنوارهم، من اقتدى بهم اهتدى، ومن أنكرهم ضل واعتدى، فللَّه الحمد على ما هيأ للعباد من بركة خواص حضرته من أهل الوداد، والصلاة على نبيه ورسوله محمد وآله وأصحابه الأكرمين الأمجاد.

ثم إن إيثاري لهدي هؤلاء القوم ومحبتي لهم، علمًا بشرف حالهم وصحة طريقتهم المبنية على الكتاب والسنة المتحقق بهما من الله الكريم الفضل والمنة، حداني أن أذهب عن هذه العصابة؛ بهذه الصبابة، وأؤلف أبوابًا في الحقائق والآداب معربة عن وجه الصواب فيما اعتمدوه، مشعرة بشهادة صريح العلم لهم فيما اعتقدوه، حيث كثر المتشبهون واختلفت أحوالهم، وتستر بزيهم المتسترون وفسدت أعمالهم، وسبق إلى قلب من لا يعرف أصول سلفهم سوء ظن، وكاد لا يسلم من وقيعة فيهم وطعن، ظنًا منه أن حاصلهم راجع إلى مجرد رسم، وتخصصهم عائد إلى مطلق اسم.

ومما حضرني فيه من النية: أن أكثر سواد القوم بالاعتزاء إلى طريقهم والإشارة إلى أحوالهم؛ وقد ورد «من كثر سواد قوم فهو منهم» وأرجو من الله الكريم صحة النية فيه وتخليصها من شوائب النفس، وكل ما فتح الله تعالى علي فيه منح من الله الكريم وعوارف، وأجل المنح عوارف المعارف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت