فتح الله عليهم أبواب العلوم التي سبق ذكرها. قال بعضهم: من يطيق مثل هذه المخاطبة بالاستقامة إلا من أيد من المشاهدات القوية والأنوار البينة والآثار الصادقة بالتثبيت ببرهان عظيم كما قال تعالى: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ} (الإسراء: الآية 74) ثم حفظ في وقت المشاهدة ومشافهة الخطاب وهو المزين بمقام القرب والمخاطب على بساط الأنس محمد. وبعد ذلك خوطب بقوله: {فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} ولولا هذه المقامات ما أطاق الاستقامة التي أمر بها.
قيل لأبي حفص: أي الأعمال أفضل؟ قال: الاستقامة؛ لأن النبي يقول: «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا» .
وقال جعفر الصادق في قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} أي افتقر إلى الله بصحة العزم. ورأى بعض الصالحين رسول الله صلى الله عليه وسلّم في المنام، قال: «قلت: يا رسول الله روي عنك أنك قلت: شيبتني سورة هود وأخواتها فقال: نَعَمْ» قال فقلت له: ما الذي شيبك منها قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ فقال: «لا، ولكن قوله: {فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} »
قال أبو علي الجوزجاني: كن طالب الاستقامة لا طالب الكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة وربك يطلب منك الاستقامة، وهذا الذي ذكره أصل كبير في الباب وسر غفل عن حقيقته كثير من أهل السلوك والطلب.
وذلك أن المجتهدين والمتعبدين سمعوا بسير الصالحين المتقدمين وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات فأبدًا نفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك ويحبون أن يرزقوا شيئًا من ذلك، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب متهمًا لنفسه في صحة عمله حيث لم يكشف بشيء من ذلك، ولو علموا سر ذلك لهان عليهم الأمر فيه فيعلم أن الله سبحانه وتعالى قد يفتح على بعض المجتهدين الصادقين من ذلك بابًا، والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة يقينًا فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا، والخروج من دواعي الهوى؛ وقد يكون بعض عباده يكاشف بصرف اليقين ويرفع عن قلبه الحجاب، ومن كوشف بصرف اليقين استغنى بذلك عن رؤية خوارق العادات لأن المراد منها كان حصول اليقين وقد حصل اليقين؛ فلو كوشف هذا المرزوق صرف اليقين بشيء من ذلك ما ازداد يقينًا فلا تقتضي الحكمة كشف القدرة بخوارق العادات لهذا الموضع لاستغنائه، وتقتضي الحكمة كشف ذلك للآخر لموضع حاجته فكان هذا الثاني يكون أتم استعدادًا وأهلية من الأول حيث رزق حاصل ذلك وهو صرف اليقين بغير واسطة من رؤية قدره فإن فيه آفة وهو العجب فأغني عن رؤية شيء من ذلك.
فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة فهي كل الكرامة.
ثم إذا وقع في طريقه شيء من ذلك جاز وحسن، وإن لم يقع فلا يبالي ولا ينقص بذلك، وإنما ينقص بالإخلال بواجب حق الاستقامة فليعلم هذا لأنه أصل كبير للطالبين.