(قولهم في الصبر)
قال سهل: الصبر انتظار الفرج من الله وهو أفضل الخدمة وأعلاها.
وقال بعضهم: الصبر أن تصبر في الصبر: أي لا تطالع فيه الفرج: قال الله تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوآ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (البقرة: الآية 177) .
وقيل: لكل شيء جوهر، وجوهر الإنسان العقل، وجوهر العقل الصبر؛ فالصبر: عرك النفس، وبالعرك تلين والصبر جار في الصابر مجرى الأنفاس، لأنه يحتاج إلى الصبر عن كل منهيّ ومكروه ومذموم ظاهرًا وباطنًا، والعلم يدل والصبر يقبل، ولا تنفع دلالة العلم بغير قبول الصبر ومن كان العلم سائسه في الظاهر والباطن لا يتم ذلك له إلا إذا كان الصبر مستقره ومسكنه. والعلم والصبر متلازمان كالروح والجسد لا يستقل أحدهما بدون الآخر، ومصدرهما الغريزة العقلية، وهما متقاربان لاتحاد مصدرهما، وبالصبر يتحامل على النفس، وبالعلم يترقى الروح، وهما البرزخ والفرقان بين الروح والنفس ليستقر كل واحد منهما في مستقره، وفي ذلك صريح العدل وصحة الاعتدال، وبانفصال أحدهما عن الآخر أعني العلم والصبر ميل أحدهما على الآخر أعني النفس والروح، وبيان ذلك يدق. وناهيك بشرف الصبر قوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر: الآية 10) كل أجير أجره بحساب وأجر الصابرين بغير حساب.
وقال الله تعالى لنبيه: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ} (النحل: الآية 127) أضاف الصبر إلى نفسه لشرف مكانه لتكمل النعمة به.
قيل: وقف رجل على الشبلي فقال: أي صبر أشد على الصابرين؟ فقال: الصبر في الله؛ فقال: لا. فقال: الصبر لله، فقال: لا. فقال: الصبر مع الله، فقال: لا. فغضب الشبلي وقال: ويحك، أي شيء هو؟ فقال الرجل: الصبر عن الله. قال: فصرخ الشبلي صرخة كاد أن تتلف روحه.
وعندي في معنى الصبر عن الله وجه ولكونه من أشدّ الصبر على الصابرين وجه: وذلك أن الصبر عن الله يكون في أخص مقامات المشاهدة يرجع العبد عن الله استحياء وإجلالًا، وتنطبق بصيرته خجلًا وذوبانًا، ويتغيب في مفاوز استكانته وتخفيه لإحساسه بعظيم أمر التجلي، وهذا من أشدّ الصبر لأنه يواد استدامة هذا الحال تأدية لحق الجلال، والروح تود أن تكتحل بصيرتها باستلماع نور الجمال، وكما أن النفس منازعة لعموم حال الصبر، فالروح في هذا الصبر منازعة، فاشتد الصبر عن الله تعالى لذلك.
وقال أبو الحسن بن سالم: هم ثلاثة: متصبر، وصابر، وصبار؛ فالمتصبر: من صبر في الله؛ فمرّة يصبر، ومرة يجزع. والصابر: من يصبر في الله ولله ولا يجزع، ولكن تتوقع منه الشكوى، وقد يمكن منه الجزع.
وأما الصبار: فذاك الذي صبره في الله ولله وبالله، فهذا لو وقع عليه جميع البلايا لا يجزع ولا يتغير من جهة الوجود والحقيقة، لا من جهة الرسم والخلقة، وإشارته في هذا ظهور حكم العلم فيه مع ظهور صفة الطبيعة.