فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 148

{وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(245)}

ومنها القبض والبسط: وهما حالان شريفان، قال الله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} (البقرة: الآية 245) وقد تكلم الشيوخ وأشاروا بإشارات هي علامات القبض والبسط، ولم أجد كشفًا عن حقيقتهما لأنهم اكتفوا بالإشارة، والإشارة تقنع الأهل، وأحببت أن أشبع الكلام فيهما لعله يتشوق إلى ذلك طالب ويحب بسط القول فيه والله أعلم.

واعلم أن القبض والبسط لهما موسم معلوم ووقت محتوم لا يكونان قبله ولا يكونان بعده، ووقتهما وموسمهما في أوائل حال المحبة الخاصة لا في نهايتها، ولا قبل حال المحبة الخاصة؛ فمن هو في مقام المحبة العامة الثابتة بحكم الإيمان لا يكون له قبض ولا بسط، وإنما يكون له خلاف خوف ورجاء، وقد يجد شبه حال القبض وشبه حال البسط، ويظن ذلك قبضًا وبسطًا، وليس هو ذلك، وإنما هو هم يعتريه فيظنه قبضًا، واهتزاز نفساني ونشاط طبيعي يظنه بسطًا، والهم والنشاط يصدران من محل النفس ومن جوهرها لبقاء صفاتها، وما دامت صفة الأمارة فيها بقية على النفس يكون منها الاهتزاز والنشاط والهم: وهج ساجور النفس، والنشاط: ارتفاع موج النفس عند تلاطم بحر الطبع؛ فإذا ارتقى من حال المحبة العامة إلى أوائل المحبة الخاصة يصير ذا حال وذا قلب وذا نفس لوامة، ويتناوب القبض والبسط فيه عند ذلك؛ لأنه ارتقى من رتبة الإيمان إلى رتبة الإيقان وحال المحبة الخاصة، فيقبضه الحق تارة ويبسطه أخرى.

قال الواسطي: يقبضك عمّا لك ويبسطك فيما له.

وقال النوري: يقبضك بإياك، ويبسطك لإياه.

واعلم أن وجود القبض لظهور صفة النفس وغلبتها، وظهور البسط لظهور صفة القلب وغلبته، والنفس ما دامت لوامة فتارة مغلوبة، وتارة غالبة، والقبض والبسط باعتبار ذلك منها، وصاحب القلب تحت حجاب نوراني لوجود قلبه، كما أن صاحب النفس تحت حجاب ظلماني لوجود النفس، فإذا ارتقى من القلب وخرج من حجابه لا يقيده الحال ولا يتصرف فيه، فيخرج من تصرف القبض والبسط حينئذ، فلا يقبض ولا يبسط ما دام متخلصًا من الوجود النوراني الذي هو القلب ومتحققًا بالقرب من غير حجاب النفس والقلب؛ فإذا عاد إلى الوجود من الفناء والبقاء، يعود إلى الوجود النوراني الذي هو القلب، فيعود القبض والبسط إليه عند ذلك، ومهما تخلص إلى الفناء والبقاء فلا قبض ولا بسط.

قال فارس: أولًا القبض ثم البسط، ثم لا قبض ولا بسط، لأن القبض والبسط يقع في الوجود، فأما مع الفناء والبقاء فلا، ثم إن القبض قد يكون عقوبة الإفراط في البسط، وذلك أن الوارد من الله تعالى يرد على القلب فيمتلئ القلب منه روحًا وفرحًا واستبشارًا، فتسترق النفس السمع عند ذلك وتأخذ نصيبها، فإذا وصل أثر الوارد إلى النفس طغت بطبعها وأفرطت في البسط حتى تشاكل البسط نشاطًا، فتقابل بالقبض عقوبة، وكل القبض إذا فتش لا يكون إلا من حركة النفس وظهورها بصفتها، ولو تأدبت النفس وعدلت ولم تجر بالطغيان تارة وبالعصيان أخرى ما وجد صاحب القلب القبض، وما دام روحه وأنسه. ورعاية الاعتدال الذي يسدّ باب القبض متلقى من قوله تعالى: {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} (الحديد: الآية 23) فوارد الفرح ما دام موقوفًا على الروح والقلب لا يكثف ولا يستوجب صاحبه القبض سيما إذا لطف بالفرح بالوارد بالإيواء إلى الله، وإذ لم يلتجئ بالإيواء إلى الله تعالى تطلعت النفس وأخذت حظها من الفرح، وهو الفرح بما أوتي الممنوع منها، فمن ذلك القبض في بعض الأحايين، وهذا من ألطف الذنوب الموجبة للقبض. وفي النفس من حركاتها وصفاتها وثبات متعددة موجبة للقبض، ثم الخوف والرجاء لا يعدمها صاحب القبض والبسط ولا صاحب الأنس والهيبة، لأنهما من ضرورة الإيمان فلا ينعدمان. وأما القبض والبسط فينعدمان عند صاحب الإيمان لنقصان الحظ من القلب، وعند صاحب الفناء والبقاء والقرب لتخلصه من القلب، وقد يرد على الباطن قبض وبسط ولا يعرف سببهما، ولا يخفى سبب القبض والبسط إلا على قليل الحظ من العلم الذي لم يحكم علم الحال ولا علم المقام، ومن أحكم علم الحال والمقام لا يخفى عليه سبب القبض والبسط، وربما يشتبه عليه سبب القبض والبسط كما يشتبه عليه الهم بالقبض والنشاط بالبسط، وإنما علم ذلك لمن استقام قلبه، ومن عدم القبض والبسط وارتقى منهما فنفسه مطمئنة لا تنقدح من جوهرها نار توجب القبض، ولا يتلاطم بحر طبعها من أهوية الهوى حتى يظهر منه البسط، وربما صار لمثل هذا القبض والبسط في نفسه لا من نفسه، فتكون نفسه المطمئنة بطبع القلب فيجري القبض والبسط في نفسه المطمئنة، وما لقلبه قبض ولا بسط؛ لأن القلب متحصن بشعاع نور الروح مستقر في دعة القرب فلا قبض ولا بسط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت