(قولهم في الشكر)
قال بعضهم: الشكر هو الغيبة عن النعمة برؤية المنعم.
وقال يحيى بن معاذ الرازي: لست بشاكر ما دمت تشكر وغاية الشكر التحير، وذلك أن الشكر نعمة من الله يجب الشكر عليها.
وفي أخبار داود عليه السلام: إلهي كيف أشكرك وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة ثانية من نعمك؟ فأوحى الله إليه: إذا عرفت هذا فقد شكرتني.
ومعنى الشكر في اللغة: هو الكشف والإظهار، يقال: شكر وكشر، إذا كشف عن ثغره وأظهره، فنشر النعم وذكرها وتعدادها باللسان من الشكر. وباطن الشكر: أن تستعين بالنعم على الطاعة ولا تستعين بها على المعصية فهو شكر النعمة.
وسمعت شيخنا رحمه الله ينشد عن بعضهم:
أوليتني نعمًا أبوح بشكرها ... وكفيتني كل الأمور بأسرها
فلأشكرنك ما حييت وإن أمت ... فلتشكرنك أعظمي في قبرها
قال رسول الله: «أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ الله فِي السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ» .
وقال رسول الله: «مَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، وَأُعْطِيَ فَشَكَرَ، وَظَلَمَ فَاسْتَغْفَرَ»
قيل: فما باله؟ قال: «أُولئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ» .
قال الجنيد: فرض الشكر الاعتراف بالنعم بالقلب واللسان.
وفي الحديث: «أَفْضَلُ الذِّكْرِ لا إِلهَ إِلاَّ الله، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الحَمْدُ لله» .
وقال بعضهم في قوله تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} (لقمان: الآية 20) قال الظاهرة العوافي والغنى، والباطنة البلاوي والفقر، فإن هذه نعم أخروية لما يستوجب بها من الجزاء.
وحقيقة الشكر أن يرى جميع المقضى له به نعمًا غير ما يضره في دينه؛ لأن الله تعالى لا يقضي للعبد المؤمن شيئًا إلا وهو نعمة في حقه؛ فإما عاجلة يعرفها ويفهمها، وإما آجلة بما يقضي له من المكاره، فإما أن تكون درجة له أو تمحيصًا أو تكفيرًا؛ فإذا علم أن مولاه أنصح له من نفسه وأعلم بمصالحه وأن كل ما منه نعم، فقد شكر.