فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 148

وأنكر بعضهم مقام الشوق وقال: إنما يكون الشوق لغائب، ومتى يغيب الحبيب عن الحبيب حتى يشتاق؟ ولهذا سئل الأنطاكي عن الشوق؟ فقال: إنما يشتاق إلى الغائب وما غبت عنه منذ وجدته، وإنكار الشوق على الإطلاق لا أرى له وجهًا؛ لأن رتب العطايا والمنح من أنصبة القرب إذا كانت غير متناهية كيف ينكر الشوق من المحب؟ فهو غير غائب وغير مشتاق بالنسبة إلى ما وجد، ولكن يكون مشتاقًا إلى ما لم يجد من أنصبة القرب، فكيف يمنع حال الشوق والأمر هكذا؟ ووجه آخر: أن الإنسان لا بد له من أمور يردها حكم الحال لموضع بشريته وطبيعته وعدم وقوفه على حد العلم الذي يقتضيه حكم الحال، ووجود هذه الأمور مثير لنار الشوق، ولا نعني بالشوق إلا مطالبة تنبعث من الباطن إلى الأولى والأعلى من أنصبة القرب، وهذه المطالبة كائنة في المحبين، فالشوق إذًا كائن لا وجه لإنكاره.

وقد قال قوم: شوق المشاهدة واللقاء أشد من شوق البعد والغيبوبة، فيكون في حال الغيبوبة مشتاقًا إلى اللقاء، ويكون في حال اللقاء والمشاهدة مشتاقًا إلى زوائد ومبار من الحبيب وإفضاله، وهذا هو الذي أراه وأختاره.

وقال فارس: قلوب المشتاقين منورة بنور الله، فإذا تحركت اشتياقًا أضاء النور ما بين المشرق والمغرب، فيعرضهم الله على الملائكة فيقول: هؤلاء المشتاقون إليّ أشهدكم أني إليهم أشوق.

وقال أبو يزيد: لو أن الله حجب أهل الجنة عن رؤيته لاستغاثوا من الجنة كما يستغيث أهل النار من النار.

سئل ابن عطاء الله عن الشوق فقال: هو احتراق الحشا وتلهب القلوب وتقطع الأكباد من البعد بعد القرب.

سئل بعضهم: هل الشوق أعلى أم المحبة. فقال: المحبة؛ لأن الشوق يتولد منها، فلا مشتاق إلا من غلبه الحب، فالحب أصل والشوق فرع.

وقال النصرآباذي: للخلق كلهم مقام الشوق لا مقام الاشتياق، ومن دخل في حال الاشتياق هام فيه حتى لا يرى له أثر ولا قرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت