فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 148

قال الروذباري: ما لم تخرج من كليتك لا تدخل في حد المحبة.

وقال أبو زيد: من قتلته محبته فديته رؤيته، ومن قتله عشقه فديته منادمته.

أخبرنا بذلك أبو زرعة عن بن خلف عن أبي عبد الرحمن قال: سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول: سمعت الحسين بن علويه يقول: قال أبو يزيد ذلك، فإذًا التقلب في أطوار المقامات لعوام المحبين، وطي بساط الأطوار لخواص المحبين وهم المحبوبون: تخلفت عن هممهم المقامات، وربما كانت المقامات على مدارج طبقات السماوات: وهي مواطن من يتعثر في أذيال بقاياه.

وقال بعض الكبار لإبراهيم الخواص: إلى ماذا أدى بك التصوف؟ فقال: إلى التوكل، فقال: تسعى في عمران باطنك أين أنت من الفناء في التوكل برؤية الوكيل؟.

فالنفس إذا تحرّكت بصفتها متفلتة من دائرة الزهد يردها الزاهد إلى الدائرة بزهده، والمتوكل إذا تحركت نفسه يردها بتوكله، والراضي يردها برضاه، وهذه الحركات من النفس بقايا وجودية تفتقر إلى سياسة العلم، وفي ذلك تنسم روح القرب من بعيد: وهو أداء حق العبودية مبلغ العلم وبحسبه الاجتهاد والكسب.

ومن أخذ في طريق الخاصة عرف طريق التخلص من البقايا بالتستر بأنوار فضل الحق.

ومن اكتسى ملابس نور أهل القرب بروح دائمة العكوف محمية عن الطوارق والصروف لا يزعجه طلب ولا يوحشه سلب، فالزهد والتوكل والرضا كائن فيه، وهو غير كائن فيها، على معنى أنه كيف تقلب كان زاهدًا وإن رغب، لأنه بالحق لا بنفسه، وإن رئي منه الالتفات إلى الأسباب فهو متوكل، وإن وجد منه الكراهة فهو راض، لأن كراهته لنفسه ونفسه للحق وكراهته للحق أعاد إليه نفسه بدواعيها وصفاتها مطهرة موهوبة محمولة ملطوف بها، صار عين الداء دواءه وصار الإعلال شفاءه، وناب طلب الله له مناب كل طالب من زهد وتوكل ورضا، أو صار مطلوبه من الله ينوب عنه كل مطلوب من زهد وتوكل ورضا.

قالت رابعة: محب الله لا يسكن أنينه وحنينه حتى يسكن مع محبوبه.

وقال أبو عبد الله القرشي: حقيقة المحبة أن تهب لمن أحببت كلك ولا يبقى لك منك شيء.

وقال أبو الحسين الوراق: السرور بالله من شدة المحبة له، والمحبة في القلب نار تحرق كل دنس.

وقال يحيى بن معاذ: صبر المحبين أشدّ من صبر الزاهدين، واعجبًا كيف يصبر الإنسان عن حبيبه.

وقال بعضهم: من ادعى محبة الله من غير تورّع عن محارمه فهو كذاب، ومن ادعى محبة الجنة من غير إنفاق ملكه فهو كذاب، ومن ادعى حب رسول الله صلى الله عليه وسلّم من غير حب الفقراء فهو كذاب، وكانت رابعة تنشد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت