وهذا الحب الخالص هو أصل الأحوال السنية وموجبها، وهو في الأحوال كالتوبة في المقامات؛ فمن صحت توبته على الكمال تحقق بسائر المقامات من الزهد والرضا والتوكل على ما شرحناه أولًا: ومن صحت محبته هذه تحقق بسائر الأحوال من الفناء والبقاء والصحو والمحو وغير ذلك؛ والتوبة لهذا الحب أيضًا بمثابة الجسمان؛ لأنها مشتملة على الحب العام الذي هو لهذا الحب كالجسد، ومن أخذ في طريق المحبوبين وهو طريق خاص من طريق المحبة يتكمل فيه ويجتمع له روح الحب الخاص مع قالب الحب العام الذي تشتمل عليه التوبة النصوح، وعند ذلك لا يتقلب في أطوار المقامات، لأن التقلب في أطوار المقامات والترقي من شيء منها إلى شيء طريق المحبين، ومن أخذ في طريق المجاهدة من قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (العنكبوت: الآية 69) ومن قوله تعالى: {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} (الشورى: الآية 13) أثبت كون الإنابة للهداية في حق المحب، وفي حق المحبوب صرح بالاجتباء غير معلل بالكسب فقال الله تعالى: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ} (الشورى: الآية 13) فمن أخذ في طريق المحبوبين يطوي بساط أطوار المقامات ويندرج فيه صفوها وخالصها بأتم وصفها، والمقامات لا تقيده ولا تحبسه وهو يقيدها ويحبسها بترقيه منها وانتزاعه صفوها وخالصها، لأنه حيث أشرقت عليه أنوار الحب الخاص خلع ملابس صفات النفس ونعوتها، والمقامات كلها مصفية للنعوت والصفات النفسانية، فالزهد يصفيه عن الرغبة، والتوكل يصفيه عن قلة الاعتماد المتولد عن جهل النفس، والرضا يصفيه عن ضربان عرق المنازعة، والمنازعة لبقاء جمود في النفس ما أشرق عليها شموس المحبة الخاصة فبقي ظلمتها وجمودها، فمن تحقق بالحب الخاص لانت نفسه وذهب جمودها فماذا ينزع الزهد منه من الرغبة ورغبة الحب أحرقت رغبته وماذا يصفي منه التوكل ومطالعة الوكيل حشو بصيرته وماذا يسكن في الرضا من عروق المنازعة والمنازعة ممن لم تسلم كليته؟.