الباء في «بسم الله» حرف التضمين. أي بالله ظهرت الحادثات، وبه وجدت المخلوقات، فما من حادث مخلوق، وحاصل منسوق، من عين وأثر وغبر، وغيرهُ من حجر ومدر، ونجم وشجر، ورسم وطلل، وحِكَمٍ وعللٍ - إلا بالحق وجودُه، والحق مَلِكُه، ومن الحق بدْؤه، وإلى الحق عودُه، فبه وُجد من وحّد، وبه جَحد من ألحد، وبه عَرَف من اعترف، وبه تخلّف من اقترف.
وقال «بسم الله» ولم يقل بالله على وجه التبرك بذكر اسمه عند قوم، وللفرق بين هذا وبين القسم عند الآخرين، ولأن الاسم هو المسمى عند العلماء، ولاستصفاء القلوب من العلائق، ولاستخلاص الأسرار عن العوائق عند أهل العرفان، ليكون ورود قوله «الله» على قلب منقّى وسر مصفّى.
وقوم عند ذكر هذه الآية يتذكرون من الباء (بِرَّه) بأوليائه، ومن السين سره مع أصفيائه، ومن الميم منَّتَه على أهل ولايته، فيعلمون أنهم ببرِّه عرفوا سرّه، وبمنته عليهم حفظوا أمره، وبه سبحانه وتعالى عرفوا قدره. وقوم عند سماع بسم الله تذكروا بالباء براءة الله سبحانه وتعالى من كل سوء، وبالسين سلامَته سبحانه عن كل عيب، وبالميم مجدَه سبحانه بعز وصفه، وآخرون يذكرون عند الباء بهاءه، وعند السين سناءه، وعند الميم مُلْكَه. اهـ (لطائف الإشارات للقشيري)
وقال الخطيب الشربيني:
والباء للاستعانة أو للمصاحبة والملابسة على جهة التبرّك، والمعنى متبرّكًا بسم الله أَقرأُ، والثاني أولى لما فيه من التحاشي عن جعل اسمه تعالى آلة، والأحسن أن تكون لهما إعمالًا للفظ في معنييه الحقيقيين أو الحقيقيّ والمجازي عند من يجوّزه كإمامنا الشافعيّ، والبسملة وما بعدها إلى آخر السورة مقول على ألسنة العباد ليعلموا كيف يتبرّك باسمه ويُحمد على نعمه، ويُسئل من فضله ويُقَدَّرُ في أوّل الفاتحة (قولوا) كما قال الجلال المحلي، ليكون ما قبل (إياك نعبد) مناسبًا له بكونه من مقول العباد. اهـ (السراج المنير) .
وقال الآلوسي:
«وعندي» أن الاستعانة أولى بل يكاد أن تكون متعينة إذ فيها من الأدب والاستكانة وإظهار العبودية ما ليس في دعوى المصاحبة ولأن فيها تلميحا من أول وهلة إلى إسقاط الحول والقوة ونفي استقلال قدر العباد وتأثيرها وهو استفتاح لباب الرحمة وظفر بكنز لا حول ولا قوة إلا بالله ولأن هذا المعنى أمس بقوله تعالى وإياك نستعين ولأنه كالمتعين في قوله (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) ليكون جوابا لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لست بقارئ على أتم وجه وأكمله. اهـ (روح المعاني) .
* فإن قلت: بم تعلقت الباء في (بسم الله) ؟
قلت بمحذوف تقديره بسم الله أقرأ أو أتلو، ولأن الذي يتلو التسمية مقروء كما أن المسافر إذا حل أو ارتحل فقال بسم الله والبركات كان المعني بسم الله أَحِلُّ، وبسم الله أرتحِل.
* فإن قلت: لم قدرت المحذوف متأخرًا؟
قلت لأن الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به؛ لأنهم كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم فيقولون: باسم اللات، باسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى الاختصاص لاسم الله - عز وجل - بالابتداء وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما في قوله {إياك نعبد} حيث صرح بتقديم الاسم إرادة للاختصاص، والدليل عليه قوله {بسم الله مجراها ومرساها}
* فإن قلت: فقد قال (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) فقدم الفعل؟
قلت: هناك تقديم الفعل أوقع لأنها أول سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم. اهـ (الكشاف للزمخشري) .
قال ابن عاشور:
وَقَدْ أُسْعِفَ هَذَا الْحَذْفُ بِفَائِدَةٍ وَهِيَ صَلُوحِيَّةُ الْبَسْمَلَةِ لِيَبْتَدِئَ بِهَا كُلُّ شَارِعٍ فِي فِعْلٍ فَلَا يَلْجَأُ إِلَى مُخَالَفَةِ لَفْظِ الْقُرْآنِ عِنْدَ اقْتِبَاسِهِ، وَالْحَذْفُ مِنْ قَبِيلِ الْإِيجَازِ لِأَنَّهُ حَذْفُ مَا قَدْ يُصَرَّحُ بِهِ فِي الْكَلَامِ، بِخِلَافِ مُتَعَلِّقَاتِ الظُّرُوفِ الْمُسْتَقِرَّةِ نَحْوَ عِنْدَكَ خَيْرٌ، فَإِنَّهُمْ لَا يُظْهِرُونَ الْمُتَعَلِّقَ فَلَا يَقُولُونَ خَيْرٌ كَائِنٌ عِنْدَكَ. اهـ (التحرير والتنوير) .
فإن قيل لم أسقط من الاسم [الألف] ؟
والجواب: وَأُسْقِطَتِ الْأَلِفُ مِنَ الِاسْمِ طلبا للخفة لكثرة اسْتِعْمَالِهَا، وَطُوِّلَتِ الْبَاءُ
قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: ليكون افتتاح كِتَابِ اللَّهِ بِحَرْفٍ مُعَظَّمٍ.
كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ لِكُتَّابِهِ: طَوِّلُوا الْبَاءَ وَأَظْهِرُوا السِّينَ وَفَرِّجُوا بَيْنَهُمَا وَدَوِّرُوا الميم تعظيما لكتاب الله عزّ وجلّ.
وَقِيلَ: لَمَّا أَسْقَطُوا الْأَلِفَ رَدُّوا طُولَ الْأَلِفِ عَلَى الْبَاءِ لِيَكُونَ دَالًّا عَلَى سُقُوطِ الْأَلِفِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا كُتِبَتِ الْأَلِفُ فِي: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) رُدِّتِ الْبَاءُ إِلَى صِيغَتِهَا، وَلَا تحذف الألف إذا أضيف الِاسْمُ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ وَلَا مَعَ غَيْرِ الْبَاءِ. اهـ (معالم التنزيل للبغوي)
قال الخازن: وأثبتت الألف في قوله (فسبح باسم ربك العظيم) لقلة استعماله. اهـ (تفسير الخازن) .
وقال الخطيب الشربيني:
* فإن قيل: لم حذف في بسم الله دون (الله) و (الرحمن الرحيم) ؟
أجيب: خطان لا يقاس عليهما: خط المصحف وخط العروضيين، ولا تحذف الألف إذا أضيف الاسم لغير الله ولا مع غير الباء. والاسم مشتق من السموّ وهو العلوّ لأنه رفعة للمسمى وشعار له فهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز، كـ يد ودم، لكثرة الاستعمال وبنيت أوائلها على السكون وأدخل عليها مبتدأ بها همزة الوصل لتعذر الابتداء بالساكن ولأن من دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرّك ويقفوا على الساكن، وقيل من الوسم، وهو العلامة فوزنه على الأوّل أفع محذوف اللام، وعلى الثاني أعل محذوف الفاء، وفيه عشر لغات نظمها بعضهم في بيت فقال:
*سم وسما واسم بتثليث أوّل. . . لهنّ سماء عاشر تمت انجلي*
والاسم إن أريد به اللفظ فغير المسمى، لأنه يتألف من أصوات مقطعة غير قارّة ويختلف باختلاف الأمم والأعصار، ويتعدّد تارة ويتحد أخرى، والمسمى لا يكون كذلك، وإن أريد به ذات الشيء فهو المسمى لكنه لم يشتهر بهذا المعنى، وقوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} المراد به اللفظ، لأنه كما يجب تنزيه ذاته تعالى وصفاته يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن الرفث وسوء الأدب، أو الاسم فيه مقحم كما في قول الشاعر:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما. . . ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر
وإن أريد به الصفة كما هو رأي أبي الحسن الأشعري انقسم انقسام الصفة عنده إلى ما هو نفس المسمى كالواحد والقديم، وإلى ما هو غيره كالخالق والرازق وإلى ما ليس هو ولا غيره كالعلم والقدرة فإنهما زائدان على الذات وليسا غير الذات، لأنَّ المراد بالغير ما ينفك عن الذات وهما لا ينفكان. اهـ (السراج المنير) .
وقال السهيلي:
وأما قول لبيد:"اسم السلام عليكما"فالسلام اسم من أسماء الله تعالى.
والسلام عبارة عن التحية، وهذا الذي أراد، ولكنه شرفه بأن أضافه إلى الله عز وجل، لأنه أبلغ فِي التحية، كأنه يقول: لو وجدت سلامًا أشرف من هذا لحييتكم به، ولكني لا أجده لأنه اسم السلام، والحمد لله.
ووجه آخر، وهو أحسن فِي المعنى، وذلك أن لبيدًا لم يرد إيقاع التسليم عليهم لحينه، وإنما أراده بعد الحول، ولو قال:"ثم السلام عليكما"لكان مسلمًا فِي وقته الذي نطق به فِي البيت، فلذلك ذكر الاسم الذي هو عبارة عن اللفظ، أي: إنما اللفظ بالتسليم بعد الحول، وذلك أن السلام دعاء، فلا يتقيد بالزمان المستقبل وإنما هو لحينه. اهـ (نتائج الفكر، للسهيلي) .
* (مسألة)
قال ابن جماعة:
إذا كان المراد بالبسملة الاستعانة به تعالى، فما فائدة إقحام الاسم بين الباء وبين لفظة الجلالة مع أن الاستعانة به لا بنفس الاسم؟.
جوابه: أن القصد به التعظيم والإجلال لذاته تعالى، ومنه: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)
و (تبارك اسم ربك) .
لم اختصت البسملة بهذه الأسماء الثلاثة (الله، الرحمن الرحيم) ؟
أما الأول: فلأنه اسم المعبود المستحق للعبادة دون غيره، والموجد لعباده.
والثاني والثالث: تنبيه على المقتضِي لسؤال الاستعانة به، وهو سعة رحمته لعباده.
[[مسألة (الرحمن الرحيم) : فما فائدة إعادتها ثانيا بعد الحمد] ]؟
جوابه:
التنبيه على الصفات المقتضية لحمده وشكره وهي: سعة رحمته تعالى لعباده، ولطفه، ورزقه، وأنواع نعمه. فالأول: توكيد الاستعانة، والثاني: توكيد الشكر.
وهذه الآية جمعت ما لم يجتمع في آية غيرها، وهو: أنها آية مستقلة في الفاتحة عند من قال به، وهي بعض آية في النمل، وربعها الأول بعض آية في: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)
ونصفها الأول بعض آية في هود: (بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا. وربعها الثاني بعض آية في الرحمن: (الرَّحْمَنُ(1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ) ونصفها الثانى آية في الفاتحة، وبعض آية في سورة البقرة هو: (الرحمن الرحيم) . اهـ (كشف المعاني في المتشابه من المثاني، لابن جماعة) .
وقال ابن القيم:
* فإن قيل: فما الفائدة في دخول الباء في قوله: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) ولم تدخل في قوله: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) ؟
قيل: التسبيح يراد به التنزيه والذكر المجرد، دون معنى آخر. ويراد به مع ذلك الصلاة. وهو ذكر وتنزيه مع عمل. ولهذا تسمى الصلاة تسبيحا.
فإذا أريد التسبيح المجرد، فلا معنى للباء. لأنه لا يتعدى بحرف جر، لا تقول: سبحت بالله. وإذا أردت المقرون بالفعل، وهو الصلاة، أدخلت الباء، تنبيهًا على ذلك المراد، كأنك قلت: سبح مفتتحا باسم ربك، أو ناطقا باسم ربك. كما تقول: صلّ مفتتحا، أو ناطقا باسمه، ولهذا السر - والله أعلم- دخلت اللام في قوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والمراد التسبيح الذي هو السجود والخضوع والطاعة، ولم يقل في موضع: سبح الله ما في السماوات والأرض، كما قال تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) .
وتأمل قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) فكيف قال: «ويسبحونه» لما ذكر السجود باسمه الخاص، فصار التسبيح: ذكرهم له، وتنزيههم إياه. اهـ (بدائع الفوائد لابن القيم)
* فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى التَّسْمِيَةِ مِنَ اللَّهِ لِنَفْسِهِ؟
قِيلَ: هو تعليم للعباد كيف يستفتحون الْقِرَاءَةَ اهـ (معالم التنزيل للبغوي)