فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 180

قال ابن جُزي:

أسباب الخلاف بين المفسرين والوجوه التي يرجح بها أقوالهم

فأما أسباب الخلاف فهي اثنا عشر:

* الأول: اختلاف وجوه الإعراب وإن اتفقت القراءات.

{وَمنهُ قَوْلُهُ: سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} : إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمَثَانِي الْقُرْآنَ - فَـ"مِنْ"لِلتَّبْعِيضِ، - أَوِ الْفَاتِحَةَ فَلِبَيَانِ الْجِنْسِ.

وَقَوْلُهُ: {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} فَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الِاتِّقَاءِ فَهِيَ مَصْدَرٌ أَوْ بِمَعْنَى مُتَّقًى أَيْ أَمْرًا يَجِبُ اتِّقَاؤُهُ فَمَفْعُولٌ بِهِ أَوْ جَمْعًا كَرُمَاةٍ فَحَالٌ.

وَقَوْلُهُ: {غُثَاءً أَحْوَى} إِنْ أُرِيدَ بِهِ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَفَافِ وَالْيُبْسِ فَهُوَ صِفَةٌ لِغُثَاءٍ أَوْ مِنْ شِدَّةِ الْخُضْرَةِ فَحَالٌ مِنَ الْمَرْعَى.

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَدْ زَلَّتْ أَقْدَامُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُعْرِبِينَ رَاعَوْا فِي الْإِعْرَابِ ظَاهِرَ اللَّفْظِ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مُوجِبِ الْمَعْنَى مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: {أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ} فَإِنَّهُ يَتَبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ عَطْفُ"أَنْ نَفْعَلَ"عَلَى"أَنْ نَتْرُكَ"، وَذَلِكَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا فِي أَمْوَالِهِمْ مَا يشاءون وَإِنَّمَا هُوَ عَطْفٌ عَلَى"مَا"فَهُوَ مَعْمُولٌ لِلتَّرْكِ وَالْمَعْنَى: أَنْ نَتْرُكَ أَنْ نَفْعَلَ وَمُوجِبُ الْوَهْمِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الْمُعْرِبَ يَرَى أَنْ وَالْفِعْلَ مَرَّتَيْنِ وَبَيْنَهُمَا حَرْفُ الْعَطْفِ.

وعلى المفسِّر أَنْ يَتَجَنَّبَ الْأُمُورَ الْبَعِيدَةَ وَالْأَوْجُهَ الضَّعِيفَةَ وَاللُّغَاتِ الشَّاذَّةَ.

وَمَنْ ذلك قول بعضهم فِي: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ} : إن الوقف على"جناح"و"عليه"إِغْرَاءٌ لِأَنَّ إِغْرَاءَ الْغَائِبِ ضَعِيفٌ بِخِلَافِ الْقَوْلِ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي {عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا} فَإِنَّهُ حَسَنٌ لِأَنَّ إِغْرَاءَ الْمُخَاطَبِ فَصِيحٌ.

* الثاني: اختلاف القراءات.

{اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْقِرَاءَاتِ وَالْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ كُلَّ قِرَاءَةٍ وَافَقَتْ وَجْهًا فِي الْعَرَبِيَّةِ وَوَافَقَتْ خَطَّ الْمُصْحَفِ- أَيْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ- وَصَحَّ سَنَد راويها فَهِيَ قِرَاءَةٌ صَحِيحَةٌ لَا يَجُوزُ رَدُّهَا، مِثْلَ (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وَ (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وَ (ننشرها) و (نُنْشِزُها) (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) بِتَشْدِيدِ الذَّالِ أَوْ قَدْ كُذِبُوا) بِتَخْفِيفِهِ، وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ الْحَرَكَاتِ الَّذِي يَخْتَلِفُ مَعَهُ مَعْنَى الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ) قَرَأَ نَافِعٌ بِضَمِّ الصَّادِ وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الصَّادِ، فَالْأُولَى بِمَعْنَى يَصُدُّونَ غَيْرَهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ، وَالثَّانِيَةُ بِمَعْنَى صُدُودِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ حَاصِلٌ مِنْهُمْ، وَهِيَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَهَا مَزِيدُ تَعَلُّقٍ بِالتَّفْسِيرِ لِأَنَّ ثُبُوتَ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ فِي قِرَاءَةٍ قَدْ يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْ نَظِيرِهِ فِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى، أَوْ يُثِيرُ مَعْنًى غَيْرَهُ، وَلِأَنَّ اخْتِلَافَ الْقِرَاءَاتِ فِي أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ يُكْثِرُ الْمَعَانِيَ فِي الْآيَةِ الْوَاحِدَةِ نَحْوَ: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَالْهَاءِ الْمُشَدَّدَةِ، وَبِسُكُونِ الطَّاءِ وَضَمِّ الْهَاءِ مُخَفَّفَةً، وَنَحْوَ (لامَسْتُمُ النِّساءَ) ولامَسْتُمُ النِّساءَ، وَقِرَاءَةِ: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ الرَّحْمَن إِنَاثًا) مَعَ قِرَاءَةِ «الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ» } .

* الثالث: اختلاف اللغويين في معني الكلمة.

{ومن ذلك ما ورد في تفسير القرطبي: في قوله تعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ} « ... أي: عدلًا، عن قتادة. يعني: ما عبد من دون الله عزّ وجل.

الزجاج والمبرد: الجزء ها هنا البنات، عجَّب المؤمنين من جهلهم إذ أقروا بأن خالق السموات والأرض هو الله، ثم جعلوا له شريكًا أو ولدًا.

* الرابع: اشتراك اللفظ بين معنيين وأكثر.

كلفظ (عسعس) الذي يأتي بمعنى: أقبل، ومعنى أدبر، إذ العرب استخدمت هذا اللفظ في هذين المعنيين المتضادين، فهما معنيان متضادان مشتركان في لفظ واحد.

ومن أمثلة ما له أكثر من معنى محتملٍ ما ورد في تفسير قوله سبحانه وتعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] هل المراد بالقرء الحيض أو المراد به الطهر؟ وكلا المعنيين وارد من جهة اللغة ومحتمل في السياق، وإن كان ترجيح أحدهما في هذا السياق إبعاد للآخر.

وقد يذكرون أكثر من معنى وتحتملها الآية كما في قوله سبحانه وتعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} قيل: معتق من الجبابرة، وقيل: قديم

* الخامس: احتمال الإضمار أو الاستقلال.

{قوله سبحانه وتعالى: ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} [مريم: 2] يقول: « {ذِكْرُ} تقديره: «هذا ذكر عَبْدَهُ زَكَرِيَّا» وصفه بالعبودية تشريفًا له وإعلامًا له بتخصيصه وتقريبه، ونصب «عبده» على أنه مفعول لـ «رحمة» ، فإنها مصدر أضيف إلى الفاعل، ونصب المفعول، وقيل: هو مفعول بفعل مضمر تقديره: «رَحِمَ عبدَه» ، وعلى هذا يُوقَف على ما قبله، وهذا ضعيف، وفيه تكلف الإضمار من غير حاجةٍ إليه»

* السادس: احتمال التقييد أو الإطلاق.

(مِثْلَ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الشُّهُودِ على الرجعة والفرق وَالْوَصِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} وَقَوْلُهُ: {شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} وَقَدْ أَطْلَقَ الشَّهَادَةَ فِي الْبُيُوعِ وَغَيْرِهَا فِي قَوْلِهِ: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} وَالْعَدَالَةُ شَرْطٌ فِي الْجَمِيعِ

وَمِثْلُ تَقْيِيدِهِ مِيرَاثُ الزَّوْجَيْنِ بِقَوْلِهِ: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} وَإِطْلَاقُهُ الْمِيرَاثَ فِيمَا أَطْلَقَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ مَا أَطْلَقَ مِنَ الْمَوَارِيثِ كُلِّهَا بَعْدَ الْوَصِيَّةِ وَالدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ مَا اشْتَرَطَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ مِنَ الرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةِ وَإِطْلَاقِهَا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ وَالْمُطْلَقُ كَالْمُقَيَّدِ فِي وَصْفِ الرَّقَبَةِ.

وَكَذَلِكَ تَقْيِيدُ الْأَيْدِي بِقَوْلِهِ {إِلَى الْمَرَافِقِ} فِي الْوُضُوءِ وَإِطْلَاقُهُ فِي التَّيَمُّمِ

وَتَقْيِيدُ إِحْبَاطِ الْعَمَلِ بِالرِّدَّةِ بِالْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} الْآيَةَ وَأُطْلِقَ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ}

وَتَقْيِيدُ تَحْرِيمِ الدَّمِ بِالْمَسْفُوحِ فِي الْأَنْعَامِ وَأُطْلِقَ فِيمَا عَدَاهَا).

* السابع: احتمال الحقيقة أو المجاز.

{كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} نُسِبَتِ الزِّيَادَةُ - وَهِيَ فِعْلُ اللَّهِ - إِلَى الْآيَاتِ لِكَوْنِهَا سَبَبًا لَهَا {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ} {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي} نُسِبَ الذَّبْحُ وَهُوَ فِعْلُ الْأَعْوَانِ إِلَى فِرْعَوْنَ وَالْبِنَاءُ وَهُوَ فِعْلُ الْعَمَلَةِ إِلَى هَامَانَ لِكَوْنِهِمَا آمِرِينَ بِهِ

وَكَذَا قَوْلُهُ: {وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} نُسِبَ الْإِحْلَالُ إِلَيْهِمْ لِتَسَبُّبِهِمْ فِي كُفْرِهِمْ بِأَمْرِهِمْ إِيَّاهُمْ بِهِ، وَمِنْهُ قوله تعالى: {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} نُسِبَ الْفِعْلُ إِلَى الظَّرْفِ لِوُقُوعِهِ فِيهِ.

و {عِيشَةٍ راضية} أَيْ مَرْضِيَّةٍ)، وقوله ( {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} .

* الثامن: احتمال العموم والخصوص.

{كَقَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} وَالْقَائِلُ وَاحِدٌ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ أَوْ أَعْرَابِيٌّ مِنْ خُزَاعَةَ.

وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ} أَيْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَمْعِهِ مَا فِي النَّاسِ مِنَ الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ.

وَمِنْهَا قَوْلُهُ: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} قال إبراهيم - عليه السلام -

ومنه قوله تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ} عمومٌ يراد به الخصوص؛ لأن الملائكة إنما يستغفرون للمؤمنين من أهل الأرض، لقوله: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} فهذه الآية (الأخيرة) خصصت الآية السابقة وهي قوله: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ} .

* التاسع: احتمال الكلمة زائدة.

{ومنه قوله: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} في المعنى الكلي الذي تؤديه هذه وهذه، أما في المعنى التفصيلي فقولك: «هل خالق غير الله» ليست مثل {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} ؛ لأن {مِنْ} جاءت لزيادة التأكيد، ومنه قوله تعالى (أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ) وأصلها في غير القرآن مَا جَاءَنَا بَشِيرٌ وَلَا نَذِيرٌ بدون (مِنْ) ، ومنه قوله: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} قال: «لا» في هذا الموضع وأمثالها زائدة، وكأنها زيدت لتأكيد القسم أو لاستفتاح الكلام نحو: ألا. فالمؤلف جعل لها معنى، وهو التأكيد، ثم قال بعد ذلك: «وقيل: هي نافية لكلام الكفار كأنه يقول: لا صحة لما يقول الكفار، وهذا ضعيف، والأول أحسن؛ لأن زيادة «لا» كثيرة معروفة في كلام العرب».

* العاشر: احتمال حمل الكلام على الترتيب وعلى التقديم والتأخير.

{وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} قَالَ الْبَغَوِيُّ: هَذِهِ أَوَّلُ الْقِصَّةِ وَإِنْ كَانَ مُؤَخَّرًا فِي التِّلَاوَةِ وَقَالَ الْوَاحِدِيُّ: كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْقَاتِلِ قَبْلَ ذَبْحِ الْبَقَرَةِ وَإِنَّمَا أُخِّرَ فِي الْكَلَامِ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} الآية عَلِمَ الْمُخَاطَبُونَ أَنَّ الْبَقَرَةَ لَا تُذْبَحُ إِلَّا لِلدَّلَالَةِ عَلَى قَاتِلٍ خَفِيَتْ عَيْنُهُ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا اسْتَقَرَّ عِلْمُ هَذَا فِي نُفُوسِهِمْ أَتْبَعَ بِقَوْلِهِ: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} فَسَأَلْتُمْ مُوسَى فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}

ومنه قوله تعالى: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} يقول: «وفي كلامه تقديم وتأخير؛ لأن قوله: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} مؤخرٌ في المعنى عن ذكر غصبها؛ لأن خوف الغصب سببٌ في أنه عابها، وإنما قُدِّمَ للعناية به» ، ومنه قوله: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} «فقوله: {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} صفة للمؤمن، وقيل: كان من بني إسرائيل» فقوله: {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} على هذا يتعلق بقوله: {يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} ـ يعني: يكتم إيمانه من آل فرعون.

* الحادي عشر: احتمال أن يكون الكلام منسوخًا أو محكمًا.

{وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} و {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالُوا: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الزَّكَاةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ بَاقٍ أَمَّا الْأُولَى فَإِنَّهَا خَبَرٌ فِي مَعْرِضِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ بِالْإِنْفَاقِ وَذَلِكَ يَصْلُحُ أَنْ يُفَسَّرَ بِالزَّكَاةِ وَبِالْإِنْفَاقِ عَلَى الْأَهْلِ وَبِالْإِنْفَاقِ فِي الْأُمُورِ الْمَنْدُوبَةِ كَالْإِعَانَةِ وَالْإِضَافَةِ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا نَفَقَةٌ وَاجِبَةٌ غَيْرُ الزَّكَاةِ وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ يَصْلُحُ حَمْلُهَا عَلَى الزَّكَاةِ وَقَدْ فُسِّرَتْ بِذَلِكَ،

وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} قِيلَ إِنَّهَا مِمَّا نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ أَبَدًا لَا يَقْبَلُ هَذَا الْكَلَامُ النَّسْخَ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْأَمْرَ بِالتَّفْوِيضِ وَتَرْكِ الْمُعَاقَبَةِ وَقَوْلُهُ فِي الْبَقَرَةِ: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} عَدَّهُ بَعْضُهُمْ مِنَ الْمَنْسُوخِ بِآيَةِ السَّيْفِ وَقَدْ غَلَّطَهُ ابْنُ الْحَصَّارِ بِأَنَّ الْآيَةَ حِكَايَةٌ عَمَّا أَخَذَهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْمِيثَاقِ فَهُوَ خَبَرٌ لَا نَسْخَ فِيهِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ قِيلَ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ وَقِيلَ: بِحَدِيثِ"أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ"وَقِيلَ بِالْإِجْمَاعِ حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} قِيلَ: مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وَقِيلَ: مَحْكَمَةٌ وَ"لَا"مُقَدَّرَةٌ، وَقَوْلُهُ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ} نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} لِأَنَّ مُقْتَضَاهَا الْمُوَافَقَةُ فِيمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالْوَطْءِ بَعْدَ النَّوْمِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَحَكَى قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ نَسْخٌ لِمَا كَانَ بِالسُّنَّةِ.

* الثاني عشر: اختلاف الرواية في التفسير عن النبي"صلى الله عليه وسلم"وعن السلف رضي الله عنهم. اهـ (التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جُزي. بتصرف كبير) .

* (وأما وجوه الترجيح فهي اثنا عشر)

الأول: تفسير بعض القرآن ببعض فإذا دل موضع من القرآن على المراد بموضع آخر حملناه عليه ورجحنا القول بذلك على غيره من الأقوال.

الثاني: حديث النبي"صلى الله عليه وسلم"فإذا ورد عن النبي تفسير شيء من القرآن عولنا عليه - لا سيما - إن ورد في الحديث الصحيح.

الثالث: أن يكون القولُ قولَ الجمهور وأكثر المفسرين، فإن كثرة القائلين بالقول يقتضي ترجيحه.

الرابع: أن يكون القولُ قولَ من يقتدَى به من الصحابة كالخلفاء الأربعة.

وعبد الله بنِ عبَّاسٍ لقول النبي"صلى الله عليه وسلم":"اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ".

الخامس: أن يدل على صحة القول كلام العرب من اللغة والإعراب أو التصريف أو الاشتقاق.

السادس: أن يشهد بصحة القول سياق الكلام ويدل عليه ما قبله أو ما بعده.

السابع: أن يكون ذلك المعنى المتبادَر إلى الذهن، فإن ذلك دليل على ظهوره ورجحانه.

الثامن: تقديم الحقيقة على المجاز. فإن الحقيقة أولى أن يحمل عليها اللفظ عند الأصوليين.

وقد يترجح المجاز إذا كثر استعماله حتى يكون أغلب استعمالًا من الحقيقة، ويسمى مجازا راجحًا والحقيقة مرجوحة.

وقد اختلف العلماء أيهما يقدم، فمذهب أبو حنيفة تقديم الحقيقة لأنها الأصل، ومذهب أبو يوسفَ تقديم المجاز الراجح، لرجحانه، وقد يكون المجاز أفصح وأبرع فيكون أرجح.

التاسع: تقديم العمومي على الخصوصي:، لأن العمومي أولى لأنه الأصل إلا أن يدل دليل على التخصيص.

العاشر: تقديم الإطلاق على التقييد: إلا أن يدل دليل على التقييد.

الحادي عشر: تقديم الاستقلال على الإضمار إلا أن يدل دليل على الإضمار.

الثاني عشر: حمل الكلام على ترتيبه: إلا أن يدل دليل على التقديم والتأخير. اهـ (التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جُزي)

(باب التنبيه على أحاديث وضعت في فضل سور القرآن وغيره)

قال القرطبي:

لا التفات لما وضعه الواضعون، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، قَدِ ارْتَكَبَهَا جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ اخْتَلَفَتْ أَغْرَاضُهُمْ وَمَقَاصِدُهُمْ فِي ارْتِكَابِهَا، فَمِنْ قَوْمٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ مِثْلِ: الْمُغِيرَةِ بْنِ سَعِيدٍ الْكُوفِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الشَّامِيِّ الْمَصْلُوبِ فِي الزَّنْدَقَةِ، وَغَيْرِهِمَا، وَضَعُوا أَحَادِيثَ وَحَدَّثُوا بِهَا لِيُوقِعُوا بِذَلِكَ الشَّكَّ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، فَمِمَّا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَنَا خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ لَا نَبِيَّ بَعْدِي إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ"فَزَادَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ لِمَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ الْإِلْحَادِ وَالزَّنْدَقَةِ.

قُلْتُ: وقد ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ (التَّمْهِيدِ) وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ، بَلْ تَأَوَّلَ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى الرُّؤْيَا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمِنْهُمْ قَوْمٌ وَضَعُوا الْحَدِيثَ لِهَوًى يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَيْهِ، قَالَ شَيْخٌ مِنْ شُيُوخِ الْخَوَارِجِ بَعْدَ أَنْ تَابَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ دِينٌ، فَانْظُرُوا مِمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ فَإِنَّا كُنَّا إِذَا هَوِينَا أَمْرًا صَيَّرْنَاهُ حَدِيثًا.

وَمِنْهُمْ جَمَاعَةٌ وَضَعُوا الْحَدِيثَ حِسْبَةً كَمَا زَعَمُوا، يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي عِصْمَةَ نُوحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْمَرْوَزِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عُكَاشَةَ الْكِرْمَانِيِّ، وَأَحْمَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُوَيْبَارِيِّ، وَغَيْرِهِمْ.

قِيلَ لِأَبِي عِصْمَةَ: مِنْ أَيْنَ لَكَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي فَضْلِ سُوَرِ الْقُرْآنِ سُورَةً سُورَةً؟ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ قَدْ أَعْرَضُوا عَنِ الْقُرْآنِ وَاشْتَغَلُوا بِفِقْهِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَغَازِي مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، فَوَضَعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ حِسْبَةً.

قَالَ أَبُو عَمْرٍو عثمان بن الصَّلَاحِ فِي كِتَابِ (عِلُومِ الْحَدِيثِ) لَهُ: وَهَكَذَا الْحَدِيثُ الطَّوِيلُ الَّذِي يُرْوَى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فَضْلِ الْقُرْآنِ سُورَةً سُورَةً، وَقَدْ بَحَثَ بَاحِثٌ عَنْ مُخْرِجِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَنَ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ وَجَمَاعَةٌ وَضَعُوهُ، وَأَنَّ أَثَرَ الْوَضْعِ عَلَيْهِ لَبَيِّنٌ. وَقَدْ أَخْطَأَ الْوَاحِدِيُّ الْمُفَسِّرُ وَمَنْ ذَكَرَهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي إِيدَاعِهِ تَفَاسِيرَهُمْ. وَمِنْهُمْ قَوْمٌ مِنَ السُّؤَّالِ وَالْمُكْدِينَ يَقِفُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْمَسَاجِدِ، فَيَضَعُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ بِأَسَانِيدَ صِحَاحٍ قَدْ حَفِظُوهَا، فَيَذْكُرُونَ الْمَوْضُوعَاتِ بِتِلْكَ الْأَسَانِيدِ. اهـ (تفسير القرطبي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت