فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 180

قال الخطيب الشربيني:

وتسمَّى أمّ القرآن لأنها مفتتحه ومبدؤه فكأنها أصله ومنشؤه، ولذلك تسمى أساسًا، أو لأنها تشتمل على ما فيه من الثناء على الله تعالى، والتعبّد بأمره ونهيه، وبيان وعده ووعيده، أو على جملة معانيه من الحكم النظرية والأحكام العملية التي هي سلوك الطريق المستقيم، والاطلاع على مراتب السعداء ومنازل الأشقياء، وسورة الكنز لأنها نزلت من كنز تحت العرش، والوافية، والكافية؛ لأنها وافية كافية في صحة الصلاة بخلاف غيرها عند القدرة عليها، والشافية والشفاء لقوله عليه الصلاة والسلام: «هي شفاء لكل داء» والسبع المثاني لأنها سبع آيات باتفاق، لكن من عدَّ البسملة آيةً منها جعل السابعة {صراط الذين} إلى آخرها، ومن لم يعدها آية منها جعل السابع {غير المغضوب عليهم} إلى آخرها، وسميت مثاني لأنها تثنى في الصلاة أي تكرّر فيها بأن تُقرأ في كل صلاة وفي كل ركعة، وقول بعضهم تثنى في كل ركعة فيه تجوُّز.

وهي مكيَّة على قول الأكثر. وقال مجاهد: مدنية، وقيل: نزلت مرّتين مرّة بمكة حين فرضت الصلاة ومرّة بالمدينة حين حوّلت القبلة، ولذلك سميت مثاني.

قال البغويّ: والأوّل أصح، وقال البيضاويّ: وقد صح: أنها مكيَّة بقوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعًا من المثاني} وهو مكيّ بالنص، انتهى. وأراد بالنص السنة فقد ثبت ذلك عن ابن عباس وقول الصحابي في القرآن خصوصًا في النزول له حكم المرفوع، والقرآن العظيم، والنور، والراقية، وسورة الحمد والشكر والدعاء وتعليم المسألة لاشتمالها على ذلك، وسورة المناجاة، وسورة التفويض، وفاتحة القرآن، وأمّ الكتاب، وسورة الحمد الأولى، وسورة الحمد القصوى، وسورة السؤال والصلاة لخبر: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نصفين، فنصفها لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلّم: «اقرؤوا يَقُولُ الْعَبْدُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) يَقُولُ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، يقول الْعَبْدُ: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) يَقُولُ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) يَقُولُ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) يَقُولُ اللَّهُ عزّ وجلّ: هَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) يَقُولُ اللَّهُ: فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» ، ولأنها جزؤها فهو من باب تسمية جزء الشيء باسم كله. اهـ (السراج المنير للخطيب الشربيني) .

(فائدة)

قال الخازن: (قوله قسمت الصلاة) أراد بالصلاة هنا القراءة لأنه فسرها بها ولأن القراءة ركن من أركانها وجزء من أجزائها. (قوله: نصفين) حقيقة هذه القسمة التي جعلها بينه وبين عبده راجعة إلى المعنى لا إلى اللفظ لأن هذه السورة من جهة المعنى نصفها ثناء ونصفها مسألة ودعاء وقسم الثناء انتهى عند قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ من قسم الدعاء ولهذا قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. اهـ (تفسير الخازن) .

(فائدة)

قال السيوطي: ليس في القرآن سورة هي سبع آيات سوى"الفاتحة"، و"أرأيت"ولا ثالث لهما.

قال جعفر بن أحمد بن الحسين السرّاج البغدادي في أرجوزته التي نظم فيها النظائر.

فَسُوْرَةُ الحَمْدِ لَهَا نَظِيْرَهْ. . . أَرَأَيْتَ إِنْ أَنْتَ قَرَأْتَ السُّوْرَه

كلاهما إذا عددتَّ سبعُ. . . وليس للحق اليقين دفعُ.

اهـ (نواهد الأبكار وشوارد الأفكار، للسيوطي) .

قال في التأويلات النجمية:

سُمِّيت الفاتحة لمعنيين: أحدهما: أن الله تعالى بها فتح أبواب خزائن الحقائق التي ما فتح أبوابها لأحد من العالمين على حبيبه ونبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب بعد أن أودع فيه حقائق جوامع الكلام التي أنزلها على جميع أنبيائه ورسله - عليهم السلام - يدل على هذا المعنى قوله تعالى: {وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} .

والثاني: أنها هي فاتحة فتوحات هذا الكتاب بأن الله تعالى ضمَّن فيها: حقائق مراتب الربوبية ومراتب العبودية، ومراتب الأمور الدنيوية ومراتب الأمور الأخروية التي هذا الكتاب مشتمل عليها سنجمع دقائق مبانيها.

1 -فمراتب الربوبية عشرة:

أولها: مرتبة الاسم؛ بأن له تعالى أسماء.

والثاني: الذات.

والثالث: الصفات.

فهذه المراتب الثلاثة حاصلة في {بِسمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .

والرابع: الثناء.

والخامس: الشكر.

وهما حاصلان في {الْحَمْدُ} .

والسادس: الألوهية بمعنى الخالقية، وهي حاصلة في {للَّهِ} .

والسابع: الربوبية بالوحدانية في الخالقية، وهي حاصلة في {رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

والثامن: الملكية بالمالكية، وهي حاصلة في {مَالِكِ} .

والتاسع: المعبودية بالألوهية والوحدانية، وهي حاصلة في {يَوْمِ الدِّينِ} .

والعاشر الهداية بالحق والإنعام من الأزل إلى الأبد، وهي حاصلة في {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} .

2 -وكذلك في مرتبة العبودية عشرة:

أولها: معرفة الله تعالى بهذه المراتب.

والثاني: الإقرار بالربوبية لله تعالى وبعبودية نفسه له.

والثالث: معرفة النفس وخلوها عن مراتب الربوبية.

والرابع: العلم باحتياجه إلى الله تعالى واستغناء الله تعالى عنه.

والخامس: عبادة الله تعالى على ما هو أهله بأمره.

والسادس: الاستعانة بالله تعالى في عبوديته بالتوفيق والقدرة والتعليم والإخلاص.

والسابع: الدعاء بالخضوع والخشوع والشوق والمحبة، فإنه خُلق لهذا كما قال تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ} [الفرقان: 77] وقال تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] .

والثامن: الطلب لوجدان الله تعالى وصفاته ونعمه، وهو المقصد الأعلى والمنية القصوى.

والتاسع: الاستهداء عنه ليُهتدَى به وينعم عليه بإرشاده طريق الهداية.

والعاشر: الاستدعاء منه بأن ينعم عليه، ويديم نعمته عليه، ولا يغضب فيرده إلى الضلالة والغواية.

وهذه المراتب كلها حاصلة في {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} إلى آخر السورة فافهم جدًّا. اهـ (التأويلات النجمية) .

(لطيفة)

قال القاضي بهاء الدين ابن عقيل في تفسيره: إن آيات القرآن العظيم لا تخلو عن أحد أمور ثلاثة:

الثناء على الله تعالى، والتكليف، والحث على الطاعة، وكل من هذه الثلاثة على قسمين:

فالثناء يكون بالرأفة والرحمة، والجبروت والعظمة، والتكليف يكون بالأمر والنهي، والحث بالوعد والوعيد.

وأهمّ المقصود من إنزال الكتب وإرسال الرسل التكليف بالإيمان وفروعه؛ لما فيه من مصالح العباد وانتظام العالم، فهو كالمقصود لذاته، وكل من القسمين الأخيرين (2) إنما جيء به لأجله، فالثناء بالرحمة والرأفة والحث بالوعد مرغبان في المأمور به، والثناء بالجبروت والعظمة والحث بالوعيد محذران عن المنهي عنه.

ولذلك وسط المصنّف - كالزمخشري - التعبد بالأمر والنهي، فأوقع ما هو كالمقصود لذاته مُكتَنَفًا بالأمرين المسبوقين لتقريره.

وهكذا وقع الترتيب في الفاتحة، قدم فيها الثناء، وهو من أولها إلى قوله (يوم الدين)

ووسط الدال على التكليف، وهو من قوله (إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين) إلى قوله (المستقيم) وأتى بعد ذلك بالدال على الحث، وهو من قوله (صراط الذين أنعمت عليهم) إلى آخرها.

قال: وفي الفاتحة لطيفة أخرى، وهي تقديم الدالِّ على الرحمة، وهو (الرحمن الرحيم) على الدالُّ على الجبروت، وهو (مالك يوم الدين) وتقديم الدالّ على الوعد، وهو (أنعمت عليهم) على الدالّ على الوعيد، وهو (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) لأن الترغيب أبعث للنفوس، ولأن رحمته تعالى سبقت غضبه. اهـ (نواهد الأبكار وشوارد الأفكار، للسيوطي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت