(فصل فِي بَعْضِ النُّكَتِ الْمُسْتَخْرَجَةِ من قولنا(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
قال الإمام الفخر:
* النُّكْتَةُ الْأُولَى: مَرِضَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاشْتَدَّ وَجَعُ بَطْنِهِ، فَشَكَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَدَلَّهُ عَلَى عُشْبٍ فِي الْمَفَازَةِ، فَأَكَلَ مِنْهُ فَعُوفِيَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ عَاوَدَهُ ذَلِكَ الْمَرَضُ فِي وَقْتٍ آخَرَ فَأَكَلَ ذَلِكَ الْعُشْبَ فَازْدَادَ مَرَضُهُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، أَكَلْتُهُ أَوَّلًا فَانْتَفَعْتُ بِهِ، وَأَكَلْتُهُ ثَانِيًا فَازْدَادَ مَرَضِي، فَقَالَ: لِأَنَّكَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى ذَهَبْتَ مِنِّي إِلَى الْكَلَأِ فَحَصَلَ فِيهِ الشِّفَاءُ، وَفِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ ذَهَبْتَ مِنْكَ إِلَى الْكَلَأِ فَازْدَادَ الْمَرَضُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا سُمٌّ قَاتِلٌ وَتِرْيَاقُهَا اسْمِي؟.
* الثَّانِيَةُ: بَاتَتْ رَابِعَةُ لَيْلَةً فِي التَّهَجُّدِ وَالصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْفَجَرَ الصُّبْحُ نَامَتْ، فَدَخَلَ السَّارِقُ دَارَهَا وَأَخَذَ ثِيَابَهَا، وَقَصَدَ الْبَابَ فَلَمْ يَهْتَدِ إِلَى الْبَابِ، فَوَضَعَهَا فَوَجَدَ الْبَابَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَنُودِيَ مِنْ زَاوِيَةِ الْبَيْتِ: ضَعِ الْقُمَاشَ وَاخْرُجْ فَإِنْ نَامَ الْحَبِيبُ فَالسُّلْطَانُ يَقْظَانُ.
* الثَّالِثَةُ: كَانَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ يَرْعَى غَنَمًا وَحَضَرَ فِي قَطِيعِ غَنَمِهِ الذِّئَابُ، وَهِيَ لَا تَضُرُّ أَغْنَامَهُ، فَمَرَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَنَادَاهُ: مَتَى اصْطَلَحَ الذِّئْبُ وَالْغَنَمُ؟ فَقَالَ الرَّاعِي: مِنْ حِينِ اصْطَلَحَ الرَّاعِي مَعَ اللَّهِ تَعَالَى.
* الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ (بِسْمِ اللَّهِ) مَعْنَاهُ أَبْدَأُ بِاسْمِ اللَّهِ، فَأَسْقَطَ مِنْهُ قَوْلَهُ: «أَبْدَأُ» تَخْفِيفًا، فَإِذَا قُلْتَ بِسْمِ اللَّهِ فَكَأَنَّكَ قَلْتَ أَبْدَأُ بِاسْمِ اللَّهِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ مِنْ أَوَّلِ مَا شَرَعَ فِي الْعَمَلِ كَانَ مَدَارُ أَمْرِهِ عَلَى التَّسْهِيلِ وَالتَّخْفِيفِ وَالْمُسَامَحَةِ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ كَلِمَةٍ ذَكَرَهَا لَكَ جَعَلَهَا دَلِيلًا عَلَى الصَّفْحِ وَالْإِحْسَانِ.
* وَمِنْهَا: سَمَّى نَفْسَهُ رَحْمَانًا رَحِيمًا فَكَيْفَ لَا يَرْحَمُ؟ رُوِيَ أَنَّ سَائِلًا وَقَفَ عَلَى بَابٍ رَفِيعٍ فَسَأَلَ شَيْئًا فَأُعْطِيَ قَلِيلًا، فَجَاءَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بِفَأْسٍ وَأَخَذَ يُخَرِّبُ الْبَابَ فَقِيلَ لَهُ: وَلِمَ تَفْعَلُ؟ قَالَ: إِمَّا أَنْ يُجْعَلَ الْبَابُ لَائِقًا بِالْعَطِيَّةِ أَوِ الْعَطِيَّةُ لَائِقَةً بِالْبَابِ. إِلَهَنَا إِنَّ بِحَارَ الرَّحْمَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى رَحْمَتِكَ أَقَلُّ مِنَ الذَّرَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرْشِ، فَكَمَا أَلْقَيْتَ فِي أَوَّلِ كِتَابِكَ عَلَى عِبَادِكَ صِفَةَ رَحْمَتِكَ فَلَا تَجْعَلْنَا مَحْرُومِينَ عَنْ رَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ.
* وَمِنْهَا: «اللَّهُ» إِشَارَةٌ إِلَى الْقَهْرِ وَالْقُدْرَةِ وَالْعُلُوِّ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَهُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَحْمَتَهُ أَكْثَرُ وَأَكْمَلُ مِنْ قَهْرِهِ.
* وَمِنْهَا: كَثِيرًا مَا يَتَّفِقُ لِبَعْضِ عَبِيدِ الْمَلِكِ أَنَّهُمْ إِذَا اشْتَرَوْا شَيْئًا مِنَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَضَعُوا عَلَيْهَا سِمَةَ الْمَلِكِ لِئَلَّا يَطْمَعَ فِيهَا الْأَعْدَاءُ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ لِطَاعَتِكَ عَدُوًّا وَهُوَ الشَّيْطَانُ فَإِذَا شَرَعْتَ فِي عَمَلٍ فَاجْعَلْ عَلَيْهِ سِمَتِي، وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، حَتَّى لَا يَطْمَعَ الْعَدُوُّ فِيهَا.
* وَمِنْهَا: أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا رَكِبَ السَّفِينَةَ قَالَ: (بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها) فَوَجَدَ النَّجَاةَ بِنِصْفِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، فَمَنْ وَاظَبَ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ طُولَ عُمْرِهِ كَيْفَ يَبْقَى مَحْرُومًا عَنِ النَّجَاةِ؟ وَأَيْضًا إِنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَالَ مَمْلَكَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) فَالْمَرْجُوُّ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَالَهُ فَازَ بِمُلْكِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
* وَمِنْهَا: إِنْ قَالَ قَائِلٌ لِمَ قَدَّمَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْمَ نَفْسِهِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ) فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ بِلْقِيسَ لَمَّا وَجَدَتْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مَوْضُوعًا عَلَى وِسَادَتِهَا وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ إِلَيْهَا طَرِيقٌ وَرَأَتِ الْهُدْهُدَ وَاقِفًا عَلَى طَرَفِ الْجِدَارِ عَلِمَتْ أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنْ سُلَيْمَانَ، فَأَخَذَتِ الْكِتَابَ وَقَالَتْ: (إِنَّهُ مِنْ سلميان) فَلَمَّا فَتَحَتِ الْكِتَابَ وَرَأَتْ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قَالَتْ: (وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فَقَوْلُهُ: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ) مِنْ كَلَامِ بِلْقِيسَ لَا كَلَامِ سُلَيْمَانَ.
الثَّانِي: لَعَلَّ سُلَيْمَانَ كَتَبَ عَلَى عُنْوَانِ الْكِتَابِ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَفِي دَاخِلِ الْكِتَابِ ابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) كَمَا هُوَ الْعَادَةُ فِي جَمِيعِ الْكُتُبُ، فَلَمَّا أَخَذَتْ بِلْقِيسُ ذَلِكَ الْكِتَابَ قَرَأَتْ مَا فِي عُنْوَانِهِ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ، فَلَمَّا فَتَحَتِ الْكِتَابَ قَرَأَتْ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) فَقَالَتْ: (وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
الثَّالِثُ: أَنَّ بِلْقِيسَ كَانَتْ كَافِرَةً فَخَافَ سُلَيْمَانُ أَنْ تَشْتُمَ اللَّهَ إِذَا نَظَرَتْ فِي الْكِتَابِ فَقَدَّمَ اسْمَ نَفْسِهِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، لِيَكُونَ الشَّتْمُ لَهُ لَا لِلَّهِ تَعَالَى.
* وَمِنْهَا: الْبَاءُ مِنْ «بِسْمِ» مُشْتَقٌّ مِنَ الْبِرِّ فَهُوَ الْبَارُّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَجَلُّ بِرِّهِ وَكَرَامَتِهِ أَنْ يُكْرِمَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِرُؤْيَتِهِ.
وَأَمَّا السِّينُ فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمِهِ السَّمِيعِ، يَسْمَعُ دُعَاءَ الْخَلْقِ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى مَا تَحْتَ الثَّرَى.
قَالَ السُّدِّيُّ: أَصَابَ النَّاسُ قَحْطٌ عَلَى عَهْدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَوْ خَرَجْتَ بِالنَّاسِ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ، فَخَرَجُوا وَإِذَا بِنَمْلَةٍ قَائِمَةٍ عَلَى رِجْلَيْهَا بَاسِطَةٍ يَدَيْهَا وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، وَلَا غِنَى لِي عَنْ فَضْلِكَ، قَالَ: فَصَبَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ، فَقَالَ لَهُمْ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ارْجِعُوا فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكُمْ بِدُعَاءِ غَيْرِكُمْ.
أَمَّا قَوْلُهُ: «اللَّهُ» فَاعْلَمُوا أَيُّهَا النَّاسُ أَنِّي أَقُولُ طُولَ حَيَاتِي اللَّهُ، فَإِذَا مِتُّ أَقُولُ اللَّهُ، وَإِذَا سُئِلْتُ فِي الْقَبْرِ أَقُولُ اللَّهُ، وَإِذَا جِئْتُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَقُولُ اللَّهُ، وَإِذَا أَخَذْتُ الْكِتَابَ أَقُولُ اللَّهُ وَإِذَا وُزِنَتْ أَعْمَالِي أَقُولُ اللَّهُ، وَإِذَا جُزْتُ الصِّرَاطَ أَقُولُ اللَّهُ، وَإِذَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ أَقُولُ اللَّهُ، وَإِذَا رَأَيْتُ اللَّهَ قَلْتُ اللَّهُ.
* وَمِنْهَا: الْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ فِي الْقُرْآنِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ) فَقَالَ: أَنَا اللَّهُ لِلسَّابِقِينَ، الرَّحْمَنُ لِلْمُقْتَصِدِينَ، الرَّحِيمُ لِلظَّالِمِينَ، وَأَيْضًا اللَّهُ هُوَ مُعْطِي الْعَطَاءَ، وَالرَّحْمَنُ هُوَ الْمُتَجَاوِزُ عَنْ زَلَّاتِ الْأَوْلِيَاءِ، وَالرَّحِيمُ هُوَ الْمُتَجَاوِزُ عَنِ الْجَفَاءِ، وَمِنْ كَمَالِ رَحْمَتِهِ كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ أَعْلَمُ مِنْكَ مَا لَوْ عَلِمَهُ أَبَوَاكَ لَفَارَقَاكَ، وَلَوْ عَلِمَتْهُ الْمَرْأَةُ لَجَفَتْكَ، وَلَوْ عَلِمَتْهُ الْأَمَةُ لَأَقْدَمَتْ عَلَى الْفِرَارِ مِنْكَ، وَلَوْ عَلِمَهُ الْجَارُ لَسَعَى فِي تَخْرِيبِ الدَّارِ، وَأَنَا أَعْلَمُ كُلَّ ذلك وَأَسْتُرُهُ بِكَرَمِي لِتَعْلَمَ أَنِّي إِلَهٌ كَرِيمٌ.
* وَمِنْهَا: اللَّهُ يُوجِبُ وِلَايَتَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) وَالرَّحْمَنُ يُوجِبُ مَحَبَّتَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا) وَالرَّحِيمُ يُوجِبُ رَحْمَتَهُ (وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) .
* وَمِنْهَا: طَلَبَ بَعْضُهُمْ آيَةً مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَقَالَ: إِنَّكَ تَدَّعِي الْإِسْلَامَ فَأَرِنَا آيَةً لِنُسْلِمَ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسُّمِّ الْقَاتِلِ، فَأُتِيَ بِطَاسٍ مِنَ السُّمِّ، فَأَخَذَهَا بِيَدِهِ وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَأَكَلَ الْكُلَّ وَقَامَ سَالِمًا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ الْمَجُوسُ هَذَا دِينُ حَقٍّ.
* وَمِنْهَا: سُئِلَتْ عَمْرَةُ الْفَرْغَانِيَّةُ - وَكَانَتْ مِنْ كِبَارِ الْعَارِفَاتِ - مَا الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الْجُنُبَ وَالْحَائِضَ مَنْهِيَّانِ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ دُونَ التَّسْمِيَةِ فَقَالَتْ: لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ ذِكْرُ اسْمِ الْحَبِيبِ وَالْحَبِيبُ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذِكْرِ الْحَبِيبِ.
* وَمِنْهَا: قِيلَ فِي قَوْلِهِ: «الرَّحِيمِ» هُوَ تَعَالَى رَحِيمٌ بِهِمْ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ فِي الْقَبْرِ وَحَشَرَاتِهِ، وَالْقِيَامَةِ وَظُلُمَاتِهِ، وَالْمِيزَانِ وَدَرَجَاتِهِ، وَقِرَاءَةِ الْكِتَابِ وَفَزَعَاتِهِ، وَالصِّرَاطِ وَمَخَافَاتِهِ وَالنَّارِ وَدَرَكَاتِهِ.
* وَمِنْهَا: كَتَبَ عَارِفٌ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَأَوْصَى أَنْ تُجْعَلَ فِي كَفَنِهِ فَقِيلَ لَهُ: أَيُّ فَائِدَةٍ لَكَ فِيهِ فَقَالَ: أَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِلَهِي بَعَثْتَ كِتَابًا وَجَعَلْتَ عُنْوَانَهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَعَامِلْنِي بِعُنْوَانِ كِتَابِكَ.
* وَمِنْهَا: قِيلَ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» تِسْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا، وَفِيهِ فَائِدَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الزَّبَانِيَةَ تِسْعَةَ عَشَرَ، فَاللَّهُ تَعَالَى يَدْفَعُ بَأْسَهُمْ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ التِّسْعَةَ عَشَرَ، الثَّانِيَةُ: خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ سَاعَةً، ثُمَّ فَرَضَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي خَمْسِ سَاعَاتٍ فَهَذِهِ الْحُرُوفُ التِّسْعَةَ عَشَرَ تَقَعُ كَفَّارَاتٍ لِلذُّنُوبِ الَّتِي تَقَعُ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ التِّسْعَةَ عَشَرَ.
* وَمِنْهَا: لَمَّا كَانَتْ سُورَةُ التَّوْبَةِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ لَمْ يُكْتَبْ فِي أَوَّلِهَا «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» وَأَيْضًا السُّنَّةُ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ الذَّبْحِ «بِاسْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ» وَلَا يُقَالُ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» لِأَنَّ وَقْتَ الْقِتَالِ وَالْقَتْلِ لَا يَلِيقُ بِهِ ذِكْرُ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَلَمَّا وَفَّقَكَ لِذِكْرِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً فِي الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مَا خَلَقَكَ لِلْقَتْلِ وَالْعَذَابِ، وَإِنَّمَا خَلَقَكَ لِلرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ، والله تعالى الهادي إلى الصواب. اهـ (مفاتيح الغيب)