فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 180

* النُّكْتَةُ الْأُولَى: فِي قَوْلِهِ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) عُرُوجٌ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى الْخَالِقِ، وَمِنَ الْمُمْكِنِ إِلَى الْوَاجِبِ: وَهَذَا هُوَ الطَّرِيقُ الْمُتَعَيِّنُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، لِأَنَّ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ لَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ إِلَّا بِأَنْ يُسْتَدَلَّ بِاحْتِيَاجِ الْخَلْقِ عَلَى وُجُودِ الْحَقِّ الْغَنِيِّ الْقَادِرِ، فَقَوْلُهُ: (أَعُوذُ) إِشَارَةٌ إِلَى الْحَاجَةِ التَّامَّةِ، فَإِنَّهُ لَوْلَا الِاحْتِيَاجُ لَمَا كَانَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ فَائِدَةٌ، وَقَوْلُهُ: (بِاللَّهِ) إِشَارَةٌ إِلَى الْغِنَى التَّامِّ لِلْحَقِّ، فَقَوْلُ الْعَبْدِ (أَعُوذُ) إِقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ بِالْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ، وَقَوْلُهُ: (بِاللَّهِ) إِقْرَارٌ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِأَنَّ الْحَقَّ قَادِرٌ عَلَى تَحْصِيلِ كُلِّ الْخَيْرَاتِ وَدَفْعِ كُلِّ الْآفَاتِ، وَالثَّانِي: أَنَّ غَيْرَهُ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا دَافِعَ لِلْحَاجَاتِ إِلَّا هُوَ، وَلَا مُعْطِيَ لِلْخَيْرَاتِ إِلَّا هُوَ، فَعِنْدَ مُشَاهَدَةِ هَذِهِ الْحَالَةِ يَفِرُّ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ سِوَى الْحَقِّ فَيُشَاهِدُ فِي هَذَا الْفِرَارِ سِرَّ قَوْلِهِ: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) [الذَّارِيَاتِ: 50] وَهَذِهِ الْحَالَةُ تَحْصُلُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (أَعُوذُ) ثُمَّ إِذَا وَصَلَ إِلَى غَيْبَةِ الْحَقِّ وَصَارَ غَرِيقًا فِي نُورِ جَلَالِ الْحَقِّ شَاهَدَ قَوْلَهُ:

قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ [الأنعام: 91] فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) .

* النُّكْتَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ قَوْلَهُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) اعْتِرَافٌ بِعَجْزِ النَّفْسِ وَبِقُدْرَةِ الرَّبِّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا وَسِيلَةَ إِلَى الْقُرْبِ مِنْ حَضْرَةِ اللَّهِ إِلَّا بِالْعَجْزِ وَالِانْكِسَارِ، ثُمَّ مِنَ الْكَلِمَاتِ النَّبَوِيَّةِ

قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ»

وَالْمَعْنَى مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالضَّعْفِ وَالْقُصُورِ عَرَفَ رَبَّهُ بِأَنَّهُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ مَقْدُورٍ، وَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالْجَهْلِ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْفَضْلِ وَالْعَدْلِ، وَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِاخْتِلَالِ الْحَالِ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْكَمَالِ وَالْجَلَالِ.

* النُّكْتَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الطَّاعَاتِ لَا يَتَيَسَّرُ إِلَّا بَعْدَ الْفِرَارِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَذَلِكَ هُوَ الِاسْتِعَاذَةُ بِاللَّهِ

* النُّكْتَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ سِرَّ الِاسْتِعَاذَةِ هُوَ الِالْتِجَاءُ إِلَى قَادِرٍ يَدْفَعُ الْآفَاتِ عَنْكَ، ثُمَّ إِنَّ أَجَلَّ الْأُمُورِ الَّتِي يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَسْوَسَتَهُ فِيهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، لِأَنَّ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَنَوَى بِهِ عِبَادَةَ الرَّحْمَنِ وَتَفَكَّرَ فِي وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَآيَاتِهِ وَبَيِّنَاتِهِ ازْدَادَتْ رَغْبَتُهُ فِي الطَّاعَاتِ وَرَهْبَتُهُ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، فَلِهَذَا السَّبَبِ صَارَتْ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ مِنْ أَعْظَمِ الطَّاعَاتِ، فَلَا جَرَمَ كَانَ سَعْيُ الشَّيْطَانِ فِي الصَّدِّ عَنْهُ أَبْلَغَ، وَكَانَ احْتِيَاجُ الْعَبْدِ إِلَى مَنْ يَصُونُهُ عَنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ أَشَدَّ، فَلِهَذِهِ الْحِكْمَةِ اخْتُصَّتْ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالِاسْتِعَاذَةِ.

* النُّكْتَةُ الْخَامِسَةُ: الشَّيْطَانُ عَدُوُّ الْإِنْسَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فَاطِرٍ: 6] وَالرَّحْمَنُ مَوْلَى الْإِنْسَانِ وَخَالِقُهُ وَمُصْلِحُ مُهِمَّاتِهِ ثُمَّ إِنَّ الْإِنْسَانَ عِنْدَ شُرُوعِهِ فِي الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ خَافَ الْعَدُوَّ فَاجْتَهَدَ فِي أَنْ يَتَحَرَّى مَرْضَاةَ مَالِكِهِ لِيُخَلِّصَهُ مِنْ زَحْمَةِ ذَلِكَ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا وَصَلَ الْحَضْرَةَ وَشَاهَدَ أَنْوَاعَ الْبَهْجَةِ وَالْكَرَامَةِ نَسِيَ الْعَدُوَّ وَأَقْبَلَ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى خِدْمَةِ الْحَبِيبِ، فَالْمَقَامُ الْأَوَّلُ: هُوَ الْفِرَارُ وَهُوَ قَوْلُهُ: (أَعُوذُ بالله من الشيطان الرجيم) والمقام الثاني: وهو الِاسْتِقْرَارُ فِي حَضْرَةِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ فَهُوَ قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .

* النُّكْتَةُ السَّادِسَةُ: قَالَ تَعَالَى: لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الْوَاقِعَةِ: 79] فَالْقَلْبُ لَمَّا تَعَلَّقَ بِغَيْرِ اللَّهِ وَاللِّسَانُ لَمَّا جَرَى بِذِكْرِ غَيْرِ اللَّهِ حَصَلَ فِيهِ نَوْعٌ مِنَ اللَّوْثِ، فَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِعْمَالِ الطَّهُورِ، فَلَمَّا قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ حَصَلَ الطُّهُورُ، فَعِنْدَ ذلك يستعد للصلاة الحقيقة وَهِيَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ.

* النُّكْتَةُ السَّابِعَةُ: قَالَ أَرْبَابُ الْإِشَارَاتِ: لَكَ عَدُوَّانِ أَحَدُهُمَا ظَاهِرٌ وَالْآخَرُ بَاطِنٌ، وَأَنْتَ مَأْمُورٌ بِمُحَارَبَتِهِمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْعَدُوِّ الظَّاهِرِ: قاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [التَّوْبَةِ: 29] وَقَالَ فِي الْعَدُوِّ الْبَاطِنِ: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فَاطِرٍ: 6] فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: إِذَا حَارَبْتَ عَدُوَّكَ الظَّاهِرَ كَانَ مَدَدُكَ الْمَلَكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آلِ عِمْرَانَ: 125] وَإِذَا حَارَبْتَ عَدُوَّكَ الْبَاطِنَ كَانَ مَدَدُكَ الْمَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [الحجر: 42] وَأَيْضًا فَمُحَارَبَةُ الْعَدُوِّ الْبَاطِنِ أَوْلَى مِنْ مُحَارَبَةِ الْعَدُوِّ الظَّاهِرِ، لِأَنَّ الْعَدُوَّ الظَّاهِرَ إِنْ وَجَدَ فُرْصَةً فَفِي مَتَاعِ الدُّنْيَا، وَالْعَدُوَّ الْبَاطِنَ إِنْ وَجَدَ فُرْصَةً فَفِي الدِّينِ وَالْيَقِينِ، وَأَيْضًا فَالْعَدُوُّ الظَّاهِرُ إِنْ غَلَبَنَا كُنَّا مَأْجُورِينَ، وَالْعَدُوُّ الْبَاطِنُ إِنْ غَلَبَنَا كُنَّا مَفْتُونِينَ، وَأَيْضًا فَمَنْ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ الظَّاهِرُ كَانَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ الْبَاطِنُ كَانَ طَرِيدًا، فَكَانَ الِاحْتِرَازُ عَنْ شَرِّ الْعَدُوِّ الْبَاطِنِ أَوْلَى، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِأَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) .

* النُّكْتَةُ الثَّامِنَةُ: كَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا عَبْدِي قَلْبُكَ بُسْتَانِي وَجَنَّتِي بُسْتَانُكَ لَمَّا قَرُبَ دُخُولُكَ جَنَّتِي أَخْرَجْتُ الشَّيْطَانَ مِنْ جَنَّتِي لِأَجْلِ نُزُولِكَ، وَقُلْتُ لَهُ اخْرُجْ منها مذؤما مَدْحُورًا، فَأَخْرَجْتُ عَدُوَّكَ قَبْلَ نُزُولِكَ، وَأَمَّا أَنْتَ فَبَعْدَ نُزُولِي فِي بُسْتَانِكَ (قلبك) سَبْعِينَ سَنَةً كَيْفَ يَلِيقُ بِكَ أَنْ لَا تُخْرِجَ عَدُوِّي وَلَا تَطْرُدَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُجِيبُ الْعَبْدُ وَيَقُولُ: إِلَهِي أَنْتَ قَادِرٌ عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنْ جَنَّتِكَ وَأَمَّا أَنَا فَعَاجِزٌ ضَعِيفٌ وَلَا أَقْدِرُ عَلَى إِخْرَاجِهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الْعَاجِزُ إِذَا دَخَلَ فِي حِمَايَةِ الْمَلِكِ الْقَاهِرِ صَارَ قَوِيًّا فَادْخُلْ فِي حِمَايَتِي حَتَّى تَقْدِرَ عَلَى إِخْرَاجِ الْعَدُوِّ مِنْ جَنَّةِ قَلْبِكَ، فَقُلْ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)

* النُّكْتَةُ التَّاسِعَةُ: كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ يَا عَبْدِي، مَا أَنْصَفْتَنِي أَتَدْرِي لِأَيِّ شَيْءٍ تَكَدَّرَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّيْطَانِ، إِنَّهُ كَانَ يَعْبُدُنِي مِثْلَ عِبَادَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَكَانَ فِي الظَّاهِرِ مُقِرًّا بِإِلَهِيَّتِي وَإِنَّمَا تَكَدَّرَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ لِأَنِّي أَمَرْتُهُ بِالسُّجُودِ لِأَبِيكَ آدَمَ فَامْتَنَعَ، فَلَمَّا تَكَبَّرَ نَفَيْتُهُ عَنْ خِدْمَتِي، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مَا عَادَى أَبَاكَ، إِنَّمَا امْتَنَعَ مِنْ خِدْمَتِي، ثُمَّ إِنَّهُ يُعَادِيكَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً وَأَنْتَ تُحِبُّهُ، وَهُوَ يُخَالِفُكَ فِي كُلِّ الْخَيْرَاتِ وَأَنْتَ تُوَافِقُهُ فِي كُلِّ الْمُرَادَاتِ، فَاتْرُكْ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الْمَذْمُومَةَ وَأَظْهِرْ عَدَاوَتَهُ فَقُلْ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) .

* النُّكْتَةُ الْعَاشِرَةُ: أَمَّا إِنْ نَظَرْتَ إِلَى قِصَّةِ أَبِيكَ فَإِنَّهُ أَقْسَمَ بِأَنَّهُ لَهُ مِنَ النَّاصِحِينَ، ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةُ ذَلِكَ الْأَمْرِ أَنَّهُ سَعَى فِي إِخْرَاجِهِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَمَّا فِي حَقِّكَ فَإِنَّهُ أَقْسَمَ بِأَنَّهُ يُضِلُّكَ وَيُغْوِيكَ فَقَالَ: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: 82، 83] فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ مُعَامَلَتَهُ مَعَ مَنْ أَقْسَمَ أَنَّهُ نَاصِحُهُ فَكَيْفَ تَكُونُ مُعَامَلَتُهُ مَعَ مَنْ أَقْسَمَ أَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيُغْوِيهِ.

* النُّكْتَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إِنَّمَا قَالَ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمًا آخَرَ، بَلْ ذَكَرَ قَوْلَهُ (اللَّهَ) لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ أَبْلَغُ فِي كَوْنِهِ زَاجِرًا عَنِ الْمَعَاصِي مِنْ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِأَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلِيمًا حَكِيمًا فَقَوْلُهُ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ) جَارٍ مَجْرَى أَنْ يَقُولَ أَعُوذُ بِالْقَادِرِ الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ هِيَ النِّهَايَةُ فِي الزَّجْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّارِقَ يَعْلَمُ قُدْرَةَ السُّلْطَانِ وَقَدْ يَسْرِقُ مَالَهُ، لِأَنَّ السَّارِقَ عَالِمٌ بِأَنَّ ذَلِكَ السُّلْطَانَ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ، فَالْقُدْرَةُ وَحْدَهَا غَيْرُ كَافِيَةٍ فِي الزَّجْرِ، بَلْ لَا بُدَّ مَعَهَا مِنَ الْعِلْمِ، وَأَيْضًا فَالْقُدْرَةُ وَالْعِلْمُ لَا يَكْفِيَانِ فِي حُصُولِ الزَّجْرِ، لِأَنَّ الْمَلِكَ إِذَا رَأَى مُنْكَرًا إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ لَمْ يَكُنْ حضوره مانعا

مِنْهُ، أَمَّا إِذَا حَصَلَتِ الْقُدْرَةُ وَحَصَلَ الْعِلْمُ وَحَصَلَتِ الْحِكْمَةُ الْمَانِعَةُ مِنَ الْقَبَائِحِ فَهَهُنَا يَحْصُلُ الزَّجْرُ الْكَامِلُ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ (أَعُوذُ بِاللَّهِ) فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَعُوذُ بِالْقَادِرِ الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ الَّذِي لَا يَرْضَى بِشَيْءٍ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ فَلَا جَرَمَ يَحْصُلُ الزَّجْرُ التَّامُّ.

* النُّكْتَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: لَمَّا قَالَ الْعَبْدُ (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِأَنْ يُجَاوِرَ الشَّيْطَانَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ عَاصٍ، وَعِصْيَانُهُ لَا يَضُرُّ هَذَا الْمُسْلِمَ فِي الْحَقِيقَةِ، فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ لَا يَرْضَى بِجِوَارِ الْعَاصِي فَبِأَنْ لَا يَرْضَى بِجِوَارِ عَيْنِ الْمَعْصِيَةِ أَوْلَى.

* النُّكْتَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الشَّيْطَانُ اسْمٌ، وَالرَّجِيمُ صِفَةٌ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الِاسْمِ بَلْ ذَكَرَ الصِّفَةَ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ إِنَّ هَذَا الشَّيْطَانَ بَقِيَ فِي الْخِدْمَةِ أُلُوفًا مِنَ السِّنِينَ فَهَلْ سَمِعْتَ أَنَّهُ ضَرَّنَا أَوْ فَعَلَ مَا يَسُوءُنَا؟ ثُمَّ إِنَّا مَعَ ذَلِكَ رَجَمْنَاهُ حَتَّى طَرَدْنَاهُ، وَأَمَّا أَنْتَ فَلَوْ جَلَسَ هَذَا الشَّيْطَانُ مَعَكَ لَحْظَةً وَاحِدَةً لَأَلْقَاكَ فِي النَّارِ الْخَالِدَةِ فَكَيْفَ لَا تَشْتَغِلُ بِطَرْدِهِ وَلَعْنِهِ فَقُلْ: (أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) .

* النُّكْتَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: «أَعُوذُ بِالْمَلَائِكَةِ» مَعَ أَنَّ أَدْوَنَ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَكْفِي فِي دَفْعِ الشَّيْطَانِ؟ فَمَا السَّبَبُ فِي أَنَّ جَعْلَ ذِكْرِ هَذَا الْكَلْبِ فِي مُقَابَلَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى؟

وَجَوَابُهُ كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: عَبْدِي إِنَّهُ يَرَاكَ وَأَنْتَ لَا تَرَاهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ [الْأَعْرَافِ: 27] وإنما نفذ كيده فيكم لِأَنَّهُ يَرَاكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَرَوْنَهُ، فَتَمَسَّكُوا بِمَنْ يَرَى الشَّيْطَانَ وَلَا يَرَاهُ الشَّيْطَانُ، وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَقُولُوا: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.

* النُّكْتَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أُدْخِلَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الشَّيْطَانِ لِيَكُونَ تَعْرِيفًا لِلْجِنْسِ، لِأَنَّ الشَّيَاطِينَ كَثِيرَةٌ مَرْئِيَّةٌ وَغَيْرُ مَرْئِيَّةٍ، بَلِ الْمَرْئِيُّ رُبَّمَا كَانَ أَشَدَّ، وَأَمَّا إِنْ جَعَلْنَا الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلْعَهْدِ فَهُوَ أَيْضًا جَائِزٌ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَعَاصِي بِرِضَى هَذَا الشَّيْطَانِ، وَالرَّاضِي يَجْرِي مَجْرَى الْفَاعِلِ لَهُ، وَإِذَا اسْتَبْعَدْتَ ذَلِكَ فَاعْرِفْهُ بِالْمَسْأَلَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ لِلْمُقْتَدِي مِنْ حَيْثُ رَضِيَ بِهَا وَسَكَتَ خَلْفَهُ.

* النُّكْتَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الشَّيْطَانُ مَأْخُوذٌ مِنْ «شَطَنَ» إِذَا بَعُدَ فَحُكِمَ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ بَعِيدًا، وَأَمَّا الْمُطِيعُ فَقَرِيبٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [الْعَلَقِ: 19] وَاللَّهُ قَرِيبٌ مِنْكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [الْبَقَرَةِ: 186] وَأَمَّا الرَّجِيمُ فَهُوَ الْمَرْجُومُ بِمَعْنَى كَوْنِهِ مَرْمِيًّا بِسَهْمِ اللَّعْنِ وَالشَّقَاوَةِ وَأَمَّا أَنْتَ فَمَوْصُولٌ بِحَبْلِ السَّعَادَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى [الْفَتْحِ: 26] فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ الشَّيْطَانَ بَعِيدًا مَرْجُومًا، وَجَعَلَكَ قَرِيبًا مَوْصُولًا، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ الشَّيْطَانَ الَّذِي هُوَ بَعِيدٌ قَرِيبًا لأنه تعالى قال:

وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فَاطِرٍ: 43] فَاعْرِفْ أَنَّهُ لَمَّا جَعَلَكَ قَرِيبًا فَإِنَّهُ لَا يَطْرُدُكَ وَلَا يُبْعِدُكَ عَنْ فضله ورحمته.

* النُّكْتَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ: إِنَّهُ لَا بُدَّ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ مِنَ التَّعَوُّذِ، وَأَمَّا سَائِرُ الطَّاعَاتِ فَإِنَّهُ لَا يُتَعَوَّذُ فِيهَا، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْعَبْدَ قَدْ يُنَجَّسُ لِسَانُهُ بِالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَبْدَ بِالتَّعَوُّذِ لِيَصِيرَ لِسَانُهُ طَاهِرًا فَيَقْرَأُ بِلِسَانٍ طَاهِرٍ كَلَامًا أُنْزِلَ مِنْ رَبٍّ طَيِّبٍ طَاهِرٍ.

* النُّكْتَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: كَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّهُ شَيْطَانٌ رَجِيمٌ، وَأَنَا رَحْمَنٌ رَحِيمٌ، فَابْعُدْ عَنِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ لِتَصِلَ إِلَى الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

* النُّكْتَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: الشَّيْطَانُ عَدُوُّكَ، وَأَنْتَ عَنْهُ غَافِلٌ غَائِبٌ، قَالَ تَعَالَى: (إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) [الْأَعْرَافِ: 27] .

فَعَلَى هَذَا لَكَ عَدُوٌّ غَائِبٌ وَلَكَ حَبِيبٌ غَالِبٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ) [يُوسُفَ: 21] فَإِذَا قَصَدَكَ الْعَدُوُّ الْغَائِبُ فَافْزَعْ إِلَى الْحَبِيبِ الْغَالِبِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وتعالى أعلم بمراده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت