وقال الحارث المحاسبى - رحمه الله - في فضائل القرآن الكريم:
فإن العاقل عند الله - عز وجل - بدلائل الكتاب مستبصر بحبله من كل هلكة معتصم ولربه بتلاوته في الخلوات مناج لأنه بمناجات نفسه مهتم، ففزع إلى فهم كلام الرب - جل وعز - ليُحيي به قلبه، وينجو به من عقابه في يوم يندم فيه الغافلون ويتحسر فيه المبطلون، فكفى بكتاب الله - عز وجل - عن غيب الآخرة مخبرًا، وببصائره للعوام موضحًا؛ لأن من فهِم عن الله - عز وجل - ذاق طعم حلاوته، وخالط فهْم لذة مناجاته، إذا عرف من تحاوره، فعقل عن الله - عز وجل - ما به خاطبه، فاتخذ معاذا فسكن إلى الله - عز وجل - وأنس به من كل وحشة، فلم يؤْثِر شيئًا عليه، فكان للمتقين الماضين قبله في الدنيا خلفًا وللآخرين المريدين من بعده سلفًا، فتدبر القرآن أيام حياته، فصار الله - جل وعز - به مستفيدًا، لأنه الدليل الهادي للعباد قبل نزول المحل، وحادي المشتاقين إلى جوار الكريم، فبه نطق الحكماء، وبه أنس المنفردون إلى إدمان الفكر في معانيه، لا يضل السالك بإتباع دلائله، لأنه النور الذي استضاء به الموقنون، والغاية التي يتسابق إليها المتسابقون، والمنهج الذي لا يصل السالك إلا باتباع دلائله، ولا يعلم له طريق النجاة إلا من تقرب إلى الله عز وجل برعايته، وحفظ حدوده وصبر لله - عز وجل - على أحكامه، وهو الماحل لمن لم يكن في قلبه منه إلا حفظ حروفه، وفي جوارحه منه إلا تلاوته، وهو القول الذي فُصِّلتْ آياته، والفرقان الذي يميز بين الحق والأباطيل بشواهد بيناته، حكمة بالغة منزلة من حكيم الحكماء، وعليم العلماء، أنزله الله - تعالي - دواء للقلوب شافيًا، ولمن حرَّم حرامه وأحلَّ حلاله عن النار عادلًا، ولمن حذر مخاوفه من الأدناس، وأهل الخاصة من الله عز وجل الذين أشعروا فهمه قلوبهم، وتدبروا آياته عند تلاوته بألباسهم فتزودوا لبعد سفرهم إلى معادهم، وفهموا من شدة إجهادهم يوم القيامة، ففزعوا وذكروا به السؤال من الله عز وجل فاستعدوا للجواب عما عملوا، فتابوا إلى الله - عز وجل - عن كل ذنب، وتطهروا له من كل دنس، وأخلصوا له النيات في أعمالهم ليجيبوه عما سلف من ذنوبهم بالتوبة، وعن إرادتهم في طاعته بصدق النية، فاستعدوا بالقرآن للعرض والسؤال منقادين له بذلتهم، وخاشعين له باستكانتهم، لأنهم وقروه لإجلال المتكلم به غير مغيبين عن تلاوته لطلب حقائق معانيه، ولا مستهينين بحرماته، فانتعشوا به من كل صرعة، وجبر الله لهم به من كل مصيبة، فما زال ذلك دأب العاقلين عن ربهم - عز وجل - لأنه ربيع قلوب المؤمنين، وراحة الراجين ومستراح المحزونين لَا ينقص نوره لدوام تِلَاوَته وَلَا يدْرك غور فهمه وَلَا يبلغ لَهُ غَايَة نِهَايَة تاليه أبدا؛ لِأَنَّهُ كَلَام الله جلّ ثَنَاؤُهُ الَّذِي تعلق المتقون بعروته، والملجأ الَّذِي أَوَى الراهبون إلى كنف رحمته. اهـ (فهم القرآن للمحاسبي صـ 271 - 274) .